محمد أبو رمان

الموت عمل شاقّ!

تم نشره في الجمعة 15 كانون الثاني / يناير 2016. 12:09 صباحاً

إذا كنت تريد أن تقرأ رواية عميقة تضعك في قلب المشهد السوري؛ ليس فقط على صعيد الدمار أو الأوضاع الاجتماعية الكارثية؛ ولا ما أصاب البلاد والعباد من انهيارات في كل المجالات؛ بل أيضاً التحولات التي حدثت في السيكولوجيا-النفسية السورية، خلال أعوام الثورة، مروراً بعسكرتها، وصولاً إلى تحولها إلى حربٍ أهلية؛ فأنصحك بشدّة بقراءة رواية "الموت عمل شاق" للروائي السوري المعروف خالد خليفة، الذي ألّف قبلها مجموعة روايات، أهمها رواية "مديح الكراهية"، التي تتحدث عن الثمانينيات والصراع بين النظام والإخوان المسلمين!
فكرة "الموت عمل شاق" تبدو -في البداية- بسيطة. لكنّها تنقلنا عبر الفصول والسطور إلى أعماق مهمة، ليس فقط بشأن ما حدث خلال الأربعة أعوام الماضية، بل ما قبل ذلك؛ من سيادة نظام أمني قمعي، ورواسبه التي ظهرت بوضوح مع الثورة. فكانت إحدى الرسائل المهمة من "النص الأدبي" هي أنّ السوريين يدفعون اليوم ثمن تلك العقود من نظام الطاعة والخوف والنفاق والأمن المغلق!
القصة تبدأ بوفاة أستاذ المدرسة عبداللطيف، ووصيته لابنه "بلبل" (نبيل) بدفنه في قريته في ريف حلب (العنابية)، ما يعني نقله من دمشق إلى هناك. فيستعين بلبل بشقيقه حسين وشقيقته فاطمة، لتبدأ معاناة نقل الجثة عبر حواجز النظام والمعارضة الوطنية والجهاديين العالميين، فينقلنا إلى هذه "العوالم". وفي الأثناء، يحدثنا الراوي، بصورة غير مباشرة، عما حدث للأسرة السورية نفسها من تفكك وتفتت قبل الثورة، خلال مرحلة النظام، عبر أسرة الأستاذ عبداللطيف!
من هنا يأتي عنوان الرواية "الموت عمل شاق". لكنّ أبطالها يستدركون على ذلك بأنّ الحياة اليومية أصبحت أكثر شقاءً، وبأنّ الموت بات راحة لأصحابه في ظل الواقع المأزوم الكارثي؛ إذ أصبحت ثيمة "الانتقام" هي السائدة والمهيمنة على الناس: "فكرة موت عدوك لا تكفي لإطفاء نار الانتقام داخلك، بل يجب أن تكون قاتله لشفاء غليلك، شيء مخيف.. ذلك الحبل العاطفي الذي ينمو في القلوب خفية، بل أصبحت تراه على الوجوه الصامتة التي لا تعبر سوى عن حنق عميق".
في هذه اللحظات من الحروب الداخلية-الأهلية "أصبحت الهوية الشخصية كارثة حقيقية. اختفى الآلاف دون أي أثر، فقط لانتمائهم إلى أمكنة معارضة، كما اختفى الكثير من الموالين في مناطق المعارضة. الخطف والفدية والاعتقالات مزدهرة، والرد بالمثل وصل إلى ذروته، أصبحت حركة الأشخاص محسوبة بدقة، أي خطأ قد يكون مكلفاً جداً".
يمكن اختصار المشهد الذي تقدمه لنا الرواية، بعنوان كتاب ممدوح عدوان "حيونة الإنسان" (وهو كتاب مهم في المرحلة الراهنة)، الذي يتحدث عن كيف يتم انزلاق الإنسان العربي إلى مرتبة الحيوان، ليس فقط على صعيد الضحية (التعذيب أو القتل أو المذابح الجماعية)، بل على صعيد الجلاد نفسه، وخطورة مفهوم "التعوّد" على هذه القيم والتطبّع معها، كما يحدث!
تقول الرواية: "حين تتهاوى جدران خوفك تشعر بفراغ غريب، لا يملؤه إلا نوع جديد من الخوف لم تختبره من قبل... لكنه خوف لا يختلف عن النوع القديم في طعمه، يجعلك تشعر بأنك الوحيد الخائف وسط طوفان بشر رأى في الموت حلاً نهائياً لمعضلة الحياة، الموت الجماعي أحياناً نوع من الحل"! تضعنا الرواية أمام السؤال الأخلاقي الكبير: ماذا تفعل بنصر يرشح دماً؟!

التعليق