جهاد المنسي

كبش فداء

تم نشره في الأربعاء 20 كانون الثاني / يناير 2016. 01:03 صباحاً

رغم مرور نحو 7 سنوات على خروج الوزير، ورئيس الديوان الملكي الأسبق، باسم عوض الله من المشهد السياسي الأردني، فإن للرجل حضورا في بعض مناقشات الصالونات السياسية والبرلمانية والاجتماعية، وعبر صفحات التواصل الاجتماعي.
يحضر الرجل في أي سجال بين طرفين على صفحات التواصل، ويحضر إن أراد أحدهم تسريب خبر ما لقطع الطريق على جهة معينة، ودفع جهة اأخرى للواجهة، ويحضر في كولسات نواب، وتحت قبتهم، إن أراد بعضهم الهروب من تشخيص واقعي وحقيقي لوضعنا الاقتصادي، عبر تحميل الرجل ومجموعته وحدها مسؤولية كل ما نمر به.
هذا التذكير لا يأتي في سياق الدفاع عن الرجل، أو تأييد سياسته الاقتصادية والاجتماعية، التي كان يدافع عنها، ولا ضمن إعادة تموضع لإحياء الحديث عنه، فأنا لا أعرفه شخصيا، ولم يسبق أن التقيت به بشكل شخصي، إلا ضمن مجموعة وزراء وساسة، وهذا قلما حدث أصلا.
مناسبة استحضار باسم عوض الله، هي قيام بعضهم بتدوير الكلام عن عوض الله في كل شاردة وواردة، وإلقاء عبء كل ما يمر به الأردن من أزمات اقتصادية ومديونية مرتفعة، وعجز متراكم على ظهر سياساته الاقتصادية، وكأننا قبله كنا نعيش في رغد وفير، وبعده كذلك.
للأسف، هي سياسة البحث عن كبش فداء، نلقي عليه كل ما نمر به من صعوبات متراكمة، ومسمار جحا وضعناه وما نزال نلف وندور حوله، من دون البحث عن معالجات منطقية أو واقعية أو رؤية للمشهد بشكل واضح.
مشكلتنا الاقتصادية، ليست في عوض الله أو أي مجموعة أخرى، وإنما في جوهر سياستنا الاقتصادية، التي نتبعها منذ عقود، والتي تدور كلها حول فكرة الارتهان لصندوق النقد والبنك الدوليين، ومتطلباتهما وشروطهما، وعدم الاكتراث بالطبقة الوسطى، وتركها تذوب وتضمحل، من دون أن يكون لنا كدولة وقفة جادة لمعالجة ذلك، وغياب أي فكر زراعي أو صناعي عن تخطيطنا الاقتصادي، حتى باتت سلة الأردن الغذائية تعاني صعوبات، وبتنا نبحث عن مصانع فلا نجد إلا النزر اليسير. وأصبحنا مجتمعا استهلاكيا وخدميا من دون أن تكون لنا نظرة واقعية للصناعة والزراعة والإنتاج.
بات استحضار باسم عوض الله، لدى البعض، هروبا من تشخيص حقيقي للواقع، وإلقاء المسؤولية عليه فقط، ولا يتم استحضاره في إطار تقديم رؤية اقتصادية مخالفة لما تنتهجه الدولة منذ عقود. وكثيرا ما يستحضر في إطار مناكفات، وخطب ود عموم المواطنين غير الراضين عن سياستنا الاقتصادية، فيأتي ذكره لكسب ودّ مثل أولئك، في إطار الصراخ والضجيج، ومن دون تقديم رؤية واضحة، وفلسفة عميقة لما نمر به من أزمات متراكمة، وتهربا من تقديم أفكار أخرى تبدأ من محاسبة القائمين عن انسحاب الدولة من مسؤوليتها الاجتماعية والاقتصادية والوطنية، وغياب الشفافية والعدالة والمواطنة، وتكريس فكر الفساد والواسطة والمحسوبية.
لو دققنا في التقرير الذي أطلقه برنامج "راصد" قبل أيام، حول كلمات النواب بمناقشات الموازنة، فسنلحظ أن كتل المجلس لم تتحدث عن الحريات والمساعدات الخارجية، والتأمين الصحي، ودعم المرأة ومجابهة الفكر المتطرف، والإعلام، وكلها سياسات اجتماعية أاساسية ومهمة، تؤسس للدولة المدنية العلمانية الحضارية التي نريد.
زبدة الكلام، أن البعض يستحضر الرجل للهروب من مواجهة الحقيقة، وهي اعتمادنا على ذات الفكر الاقتصادي الذي اعتمد عليه عوض الله، ومن سبقه ومن لحقه، من دون أن يخطر في البال، أن نؤسس لفكر اقتصادي اجتماعي حقيقي، يعزز الطبقة الوسطى، ويؤمن لها طرق التطور، ويجعلنا مجتمعا زراعيا وصناعيا ومهنيا، لا مجتمعا استهلاكيا خدميا يستهلك ولا يصنع، ويقلع ولا يزرع.
يمكن انتقاد عوض الله لساعات وساعات، من دون كلل، وأنا معهم، ولكنّ بقاءنا ندور حول ذات النقد، من دون تقديم رؤى مخالفة، سيجعلنا وكأننا نبحث عن كبش فداء، نعلق عليه همومنا ونقدنا، بعيدا عن الدخول بعمق مشكلتنا الحقيقية، وهي الارتهان لشروط البنك الدولي، التي كبلتنا وافقرتنا، وجعلتنا نبيع مقدرات الوطن ومؤسساته، ونضيّع الطبقة الوسطى، ونواصل الاعتماد على جيب المواطن لمعالجة أوضاعنا المتردية.

التعليق