جماليات النهايات المفتوحة في مجموعة "ديك بيروت يؤذن في الظهيرة" لفاروق وادي

تم نشره في الجمعة 29 كانون الثاني / يناير 2016. 12:00 صباحاً
  • فاروق وادي- (أرشيفية)

د. رزان إبراهيم*

في هذه المجموعة القصصية "ديك بيروت يؤذن في الظهيرة" الصادرة حديثا عن منشورات ضفاف، يأخذ القارئ نصيبه من متعة عمادها شخوص قلقة كانت لها آلامها وخيباتها وحتى آمالها غير المنقطعة عن زمن الحرب الصعب. وهي متعة لا يفارقها إحساس بتفرد خاص حملته القصة الواحدة في وقت ظلت فيه محافظة على وحدتها الكلية مع بقية المجموعة. علما أن القصة الواحدة منها تبلغ أقصى ذروتها مع نهايات يدرك القارئ معها ما اجتمع لكاتبها من قدرات وحنكة فنية رافقتها حالة من الدهشة التي تبهر القارئ وتدفعه إلى الاسترسال دونما توقف أو ملل.
بحضور ما يراه إيخنباوم أثرا مهما يتمركز بشكل لافت حول نهايات كل من الرواية والقصة القصيرة، يبدو من الأهمية بمكان إظهار ما يمكن أن يوصف بنقطة تنفيس محتملة تتبع مواد متفرقة وأحداثا يوازي بعضها بعضا في الرواية، في حين تكون هذه النهايات في الجنس القصير الحامل الأقوى لكل ثقل الحدث القصصي بسببب بنائها على قاعدة من التناقض والتنافر. وهو ما يرى فيه كثيرون سر الجاذبية الشعبية لهذا الفن القصصي الذي يختلف عن الرواية أيضا في أن ارتكاب الخطأ فيه سوف يتنبه له عدد أكبر في حالة مقارنته بها.
في أكثر من موقع في هذه المجموعة نكون في العمق من سلوكيات إنسانية واقعة تحت وطأة ظروف تظهرها وكأنها بلا هدف، ومن هنا تأتي النهايات بعبثية مدروسة تستمد مشروعيتها من طبيعة الحروب ذاتها بكل ما فيها من مفاجآت وتغيرات تأتي بدون تخطيط، ليكون النص رديفا لحياة مضطربة لا استقرار فيها، ومفتوحة على عدد كبير من الاحتمالات. هذا ما نقع عليه في قصة "على قارعة الطريق" مثلا حيث القتل العبثي، وحيث يمضي الشبان بعيدا، تاركين خلفهم الجثث ملقاة على قارعة الطريق. وبالمثل نرى هذه العبثية في قصة "اليوم الخامس" مع الفرقة الموسيقية في الفاكهاني التي ما كانت تدري أتعزف لفرح قادم أم حزن كامن في الزوايا المريبة؟ وإذ تسقط في اليوم الخامس قذيفة قبل مغيب الشمس بقليل على الفرقة نفسها، ينحسم الرد، ومن ثم تسير الجنازة بسبعة نعوش "صامتة.. إذ غاب عنها تماما.. صوت الموسيقى"؛ ففي زمن الحرب أو في كتاب الحرب، ندرك أن كثيرا من تفاصيل حياتنا اليومية التي ترافقنا طوال عمرنا ليس بذي قيمة؛ ملابسنا وكتبنا وصورنا، ليبدو التحديق في الفراغ الأنسب حتى في أمورنا الحميمية، كما في قصة "ذلك الصهيل" حين تساءلت إحداهن عن زائرها في الليل: "أي من الثلاثة كان زائر الليل؟"، تأتي النهاية على نحو مختزل بجملة "كل العيون متشابهة.. وكل العيون، غاب عنها ذلك الصهيل".
وفي هذه النصوص كثيرا ما يضع القاص شخوصه في أوضاع موشحة بكثير من السخرية أو ما يشبه الكوميديا السوداء. كما في "زمن المراكب الضيقة" القصة التي تابعنا فيها والدا لإحدى الفتيات في جريه ولهاثه بحثا عن ابنته التي كان كل ظنه فيها أنها غادرت الكويت إلى بيروت للانضمام إلى تنظيم فلسطيني، بينما يتكشف لنا في وقت لاحق أنها تركت الكويت إلى بيروت كي تلحق شابا مارونيا كانت قد أحبته، لتزداد المفارقة وتشتد حالة التناقض حين تعالج النهاية في إطار اللا أدري حين يتحول الأب من باحث أو فاقد إلى مفقود، وتتحول الابنة من مفقودة إلى باحثة عن أب في إطار احتمالات عديدة واردة تقول فيها: "لكنني أتمنى أن لا يكون أبي قد ذهب مع الاحتمال الأخير".
الدهشة ذاتها المفعمة بروح ساخرة نلمسها في "مكعبات ثلج من أجل فيوليت"؛ حيث لم تكن وفاة فيوليت ناجمة كما كان متوقعا عن إصابة جراء القصف، وإنما عن صقيع أصاب أطرافها وجمد دمها في العروق بسبب الثلج الذي كانت تلح في طلبه لشدة حرارة جسدها. لذلك جاءت الشرطة كي تسأل عن كمية الثلج التي جلبت لها لأن التشريح ببساطة "أثبت أن فيوليت ماتت من شدة البرد". وبالمثل تظهر هذه السخرية المرة في قصة "كم كانوا ظرفاء" أولئك الذين دهموا بيت البطل وكانوا على درجة عالية من اللطف إلى أن انتهى به الأمر في سجن ضيق معتم يحكي عنهم قائلا: "أتذكرهم الآن. وهم لم يغيبوا عن بالي أبدا عندما كنت أقبع في زنزانتي الضيقة المعتمة الباردة التي اقتادوني اليها في ذلك الصباح البعيد".
وكثيرا ما وجدنا أنفسنا نتعامل مع مواقع حياتية كانت للحرب وطأتها الثقيلة عليها، ومنها تتحدد غرابة الحياة وإبهامها، ومعها نقف على أشكال من اللامعقول في عريه الكامل -لو استعرنا تعبير لوكاش- الذي يرى أن قصر القصة القصيرة متصل تقليديا بالإحساس بالوحدة والاغتراب معا؛ فسيلفيا في "الديك يؤذن في الظهيرة" تختفي من حياة البطل لمجرد ارتيابها من صياح الديك في الظهر فتكون الخاتمة مجرد عبارة يقول فيها: "لقد غادرتني بعد أن رمتني بهواجس الارتياب من ذلك المجهول، الذي يخبئه صياح ديك في الظهيرة". ويبدو عالم اللامعقول هذا في أوجه مع قصة "طفلة برائحة الحليب" التي ظلت بعد موت أمها أثناء ولادتها تمص إصبعيها اللذين ظلا يفرزان حليبا سخيا كلما لمستهما بأطراف لسانها، وظلت تلقم أطفال الحارة الجوعى بهما. وفي عمر الورد فجرت نفسها بدورية إسرائيلية في الجنوب. تهب بعدها على بيروت في المساء ذاته "ريح قوية مضمخة بالحليب لتملأ الفضاء وتتسرب إلى شرق المدينة ناشرة شذاها على تلك الطريق المفتوحة بين المتحف.. ومستشفى البربير".
وتبقى النهايات في كل واحدة من هذه المجموعة القصصية مفتوحة باحتمالات متأرجحة، مع إيعاز مبطن للقارئ كي يبحث عما يبدو خفيا مستترا لم يشأ القاص أن يفصح عنه؛ كما في قصة "جميلة" بائعة الهوى التي ذاب جسدها وتقصف وذبلت وتلاشى ألقها، لتشاهد متسكعة في غيبوبة أوقعها الحب فيها مع احتمالات مفتوحة. إلى أين غابت؟ لا أحد يدري. وهي النهاية التي خطط لها كاتبها أن تكون جزءا من النظم البنائي للقصة بما ينسجم وطبيعة الشخصية التي قدم لها. وأحيانا يخطر على بال القارئ أنها نهاية عبرت فكر الكاتب لتدهش القارئ وتحفز ملكته الذهنية وتمتعه.
تصدفنا بعض قصص هذه المجموعة بجماليات مجازية وأشكال إبداعية مكثفة، كما في قصة "الرجل ذو السروال الداخلي الأحمر" الذي تراه الفتاة المضرجة بدمائها، تفكر بعدها أن الموت يبدأ من لحظة الاستجابة له، لذلك تقرر الهروب منه. وفي لحظة النهايات رأته يتبعها شبحا يجري خلفها على الاسفلت بسروال داخلي أحمر اللون. أما من حولها من ناس فكانوا "يتابعون بعيون ذاهلة صبية ناحلة مدماة بدت مخبولة وهي تجري بثوبها الأحمر الناري تتلفت خلفها بين الفينة والأخرى، برعب وهلع، بدون أن يروا أحدا يلاحقها".
وكثيرا ما وجدنا هذه المجازات قد عبرت عنها غنائية تقرنها بالشعر وبحالة إيحائية وعاطفية حادة كما في قصة "عند أطراف لا تلتقي"؛ حيث نلتقي بعبارة "وفي تلك الليلة انشق القمر". وكذلك نجدها في "رسالته الأولى والأخيرة" التي تحكي قصة رجل ثمانيني عجوز كثيرا ما أعاد قراءة شعر نزار وبعض مجانين الحب في لحظات يكون فيها المتقاتلون قد غرقوا في نومهم. وفي اليوم الذي يكتب فيه رسالته العشقية الأولى لزوجته التي عاشت معه خمسين عاما، تفجعنا القصة برصاصة طائشة تستقر في رأسه وهو يتنقل بين الشرفة والشباك منتظرا إطلالتها عليه. تنتهي القصة بعدها في مشهد بكائي حار يستمر مع الزوجة طيلة عمر قضته تقرأ رسالته تلك. "وكم بكت على عمرها الذي ضاع سدى بدون أن يقول لها رجل قلبها على امتداد أيامهما.. ما قالته رسالته الأولى والأخيرة".
حالة من البينية أو الغموض اختلط فيها الحقيقي بالمتخيل اجتاحت روح هذه المجموعة القصصية. من ذلك ما نراه في "نجمة صغيرة متلألئة" حين خمن أحدهم -وهو في بيته- زهرة متأججة لسيجارة في فم رجل أنها نجمة كان قد غنى لها في الصغر لتداهمه أغنيتها في الكبر. تلك نجمة أحس بها في نهايات القصة وقد اخترقت جمجمة رأسه دافئة ولكنها بدت قاسية وموجعة أكثر مما ينبغي "غفا طويلا، ربما للمرة الأخيرة وإلى الأبد.. غفا هناك.. في المسافة الواقعة بين غرفة النوم والمطبخ". نهاية تنسجم مع زمن قاس لا تعود المآلات فيه شبيهة بما قد تنبئ عنه المقدمات، كما كان الحال أيضا مع "الرفيق" في قصة أخرى اعتاد فيها هذا الرفيق على أن ينهي ليله مع رفاقه بعبارة "تصبحون على وطن وعلى امرأة شقراء". يموت بعدها بدون أن يتحقق أي مما تمناه، وكان أكثر ما فاجأهم أن امرأته التي عرفت بنفسها يوم ووري التراب "لم تكن أبدا شقراء".
تبقى الحرب بظلال الموت الثقيلة المحبطة التي تحيط بها تفرض نفسها شرطا كما في "موت بائع السبانخ العجوز" الذي اشتمت الفتاة رائحة موته في السبانخ نفسها التي اشترتها منه قبيل موته. وكما في "الجنازة" حين "كانت مزق النسيج هي كل ما تبقى من أم وأب أمام مرأى ابنتهما. لنكون في عموم هذه المجموعة باتجاه صيرورة زمنية تدميرية ماحقة كما في قصة "عند أول الزقاق"؛ حيث يتناقص عدد الشخوص من ثلاثة إلى اثنين إلى واحد. وحيث فوضى الحواس كما "على مقعد في القطار السريع" حيث بقي السؤال عالقا على مدار عمر بأكمله إن كانت إحدى الزوجات في لقائها الأول مع رجلها في إحدى القطارات قد سمعته يلقي قصيدة حب أم حرب. لتأتي النهاية بأنه "لم تكن هناك، على مقعد القطار السريع، أي قصيدة.. لم تكن هناك قصيدة".
هي إذن حالة من التعليق واللايقين أو حتى التلاشي في بعض الأحيان كما في "سر بطرس طنوس" الذي كان يمنح البطل برتقالة في كل مرة كان يحاول فيها أن يأخذ منه إجابة ما عن أسئلته. أو كما في "شرفة على شجرة الأرز" حين عاد قاطن قديم لإحدى العمارات في بيروت كي يرى شجرة أرز كان على يقين من وجودها، ليؤكد له الحارس أنه: "لم تكن هناك في أي يوم من الأيام شجرة أرز في المكان.. أبدا لم تكن". لتستوطن معظم القصص في دائرة من لا يقينيات كما الحلم في "سحابة حرب" حين ظل الزوجان يريان نفسيهما "في زمن آخر.. زمن غابت فيه عن سماء المدينة سحب الحرب". لتصبح الحرب بثقلها عائقا يحول دون استمرارية طبيعية للحياة، أو لتكون مسمارا يعترض كل مشروع مقبل كما توحي بذلك قصة "عندما تنتهي الحرب".
أخلص مما سبق أن مجموعة فاروق الوادي هي في الصميم من مواضيع لم يكن المغزى الأخلاقي همها بقدر إثارة طاقة السؤال لقارئ لا تترك له مهمة تقدير الأشياء وحسب، وإنما تترك له مهمة الحكم عليها يساعده في هذا نهايات غير مكتملة من شأنها تحفيز المخيلة ودفع القارئ -وعلى الأخص في لحظات النهايات- كي يكون منتجا نشطا وفاعلا. ومع هذه المجموعة ندرك أن النهايات قد تكون هي الركن الأهم في تشكيل بنية النص الإبداعي.

*أستاذة اللغة العربية وآدابها

التعليق