د.باسم الطويسي

عمان– درعا: هل من جديد؟

تم نشره في السبت 30 كانون الثاني / يناير 2016. 01:08 صباحاً

ازدادت خلال الأيام القليلة الماضية الأصوات التي تحذر الأردن، وأخرى "تتشفى" به، في ضوء نتائج معارك الجنوب السوري، وتحديدا بعد استعادة الجيش السوري لبلدة الشيخ مسكين، إحدى أكبر بلدات محافظة درعا، والاستعداد لخوض معركة قد تكون فاصلة في السيطرة على الجنوب السوري بين الجيش والمعارضة المسلحة. والتحذير والتشفي مصدرهما أن الحدود الأردنية-السورية ستكون على مرمى أيام تحت سيطرة عناصر حزب الله والمليشيات الإيرانية، وعلى الأردن -حسب وصف هؤلاء- أن يستعد لهذا الاختبار القاسي.
لا تعدو هذه التقديرات أن تكون أكثر من دعاية سياسية، وقد تعبر أحيانا عن ضعف في قدرة أصحابها على قراءة الاستراتيجية الأردنية حيال الصراع في سورية وتحولاته. فالمسألة ليست من سيسطر على الحدود، بل القدرة على ضبط هذه الحدود، والقدرة على نسج تفاهمات قادرة على الصمود. وهذا منطق إدارة المناطق الحدودية من منظور المصالح، والذي طالما أديرت هذه الملفات من خلاله، حتى في أعتى الصراعات وبين ألد الخصوم والأعداء.ووفق هذا المنطق، استطاع الأردن أن يدير حدوده مع قوة الاحتلال الإسرائيلي على مدى عقود، فيما الأردن ليس في حالة عداء لا مع النظام السوري ولا مع حزب الله، وهناك خصومات سياسية متباينة لم تمنع الأردن من نسج تفاهمات جعلت القوات النظامية لفترة طويلة من عمر الأزمة هي المسيطرة على الحدود.
توجد ثلاثة خطوط استراتيجية تدير المصالح الأردنية في الجنوب السوري، تنطلق من عقلانية سياسية ترى الموقف هناك من منظور المصالح وليس العواطف. الخط الأول، مسألة اللاجئين والخشية أن تقود التطورات إلى المزيد من الفوضى والمزيد من تدفق اللاجئين، علاوة على نحو 13 ألفا من اللاجئين الموجودين حاليا على الحدود في وضع إنساني صعب في ظل ظروف الشتاء القاسي، بعدما ذهب الأردن إلى مراجعة سياسة الأبواب المشرعة للاجئين. والخط الثاني، هو الخشية من وصول تنظيم "داعش" إلى الحدود، وهذا يرتب معادلات غير مسبوقة، إذ يصعب هنا نسج أي تفاهمات. أما الخط الثالث، فيتمثل في انهيار التنظيمات الدينية المقاتلة التي تضم آلاف المتطرفين والذين قد لا يجدون مفرا إلا التسلل نحو الأردن وسط  موجات اللاجئين.
الدلالة الاستراتيجية الأولى لما يحدث اليوم، هي أن التفاهمات التي صبغت الفترة الماضية على طول الحدود الأردنية-السورية، سواء مع الجيش النظامي أم مع الجيش الحر ومع عدد من التنظيمات الأخرى، قد انتهت عمليا، أو على أقل تقدير ستخضع لمراجعة وعمليات تعديل واسعة. والدلالة الثانية، أنه منذ هذه اللحظة نحن أمام بيئة تخرج من حالة الهشاشة الاستراتيجية على طول 375 كلم تشكل الحدود بين البلدين، إلى حالة من الغموض وعدم وضوح الهوية الاستراتيجية ولو لفترة محدودة. فقد أثبتت خبرة السنوات الأربع الماضية أن من يسيطر على الحدود من الطرف السوري سيجد من مصلحته البحث عن تفاهمات مع من يسيطر على الحدود الجنوبية.
لا يوجد ما يخشى منه على الحدود السورية بالنسبة للأردن أكثر من الخطوط الثلاثة السابقة (فوضى تدفق اللاجئين، وتسلل عناصر متطرفة، ووصول "داعش"). وفي حين أن احتمالية وصول "داعش" تراجعت بشكل كبير، تبقى مسألة اللاجئين هي الأولوية الأولى، وهي تحتاج عملا سياسيا أكثر من أي انشغال آخر.

التعليق