دولة السور والجدار

تم نشره في الأربعاء 3 شباط / فبراير 2016. 01:00 صباحاً

يديعوت أحرونوت

تامي اراد

من سأل نفسه ماذا سيكون مع موجة المواجهات الحالية يمكن أن يواسي نفسه بانه وجد الحل. النتيجة لن تظهر في المدى الفوري، ولكن ثمة ما يمكن ترقبه. بلدة تعرضت لعملية ما ستحظى برفع مستوى الجدران حولها، ومحطات الباص ستحصن بالمكعبات الاسمنتية، والمقاهي والمطاعم ستحظى بحراسة مشددة وفي الطرق المرشحة للعمليات سينبطح الجنود في كمائن. من يبحث عن مثال ملموس إلى اين تسير وجهتنا يمكنه أن يتوقف في محطة الوقود على طريق 433، حيث قتل الجندي زيف مزراحي قبل نحو شهرين. فالمحطة محوطة بجدار، برج حراسة نصب في داخلها والجنود يسيرون في دوريات حولها. محطة مدنية بلباس عسكري.
تغير الكثير منذ الاحداث الدموي في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي أدت إلى إقامة بلدات السور والبرج، ولكن يخيل أن الفكرة تعود. فنحن نتمترس ونتفهم طريقة الدفاع المعدة لحمايتنا. وكجزء من التمترس الذي يتحول من تكتيك إلى طبيعة ثانية، تطور الأغلبية عدم اكتراث وتلبد احاسيس تجاه حقوق انسان من لا يعتبر من حاشيتنا المقربة.
صحيح أن نتنياهو شجب حملة "الدسيسين" لحركة "ان شئتم"، ولكن في الوقت ذاته شهر بمنظمة "نحطم الصمت" وضمنا من يؤيدوها. وهو يعرف بان الجموع المحرضة لا تسمع إلا نهاية الجملة التي يذكر فيها الجيش الإسرائيلي. وفي اجواء عشية الحرب، كتلك التي تسود هنا هذه الايام، يعول نتنياهو على اولئك المواطين الإسرائيليين الذي يميلون لأن يروا في حرية التعبير وفي حقوق الانسان امتيازات لدول مثل سويسرا. فهؤلاء، وهم بالنسبة له الأغلبية، يقبلون تقلص الديمقراطية بتفهم.
وزيرة الثقافة ووزير التعليم، اللذان ينالان تضخما اعلاميا غير قليل منذ قيام الحكومة، يخدمان نتنياهو كل بطريقته. وحسب نظرية الفوضى، ستؤدي تغييرات صغيرة إلى تغييرات كبيرة. فمن جهة تطرفهما لا يعلق به، ومن جهة اخرى يساهمان كجسم واحد في نشوء الأثر المتصاعد الذي يعزز رئيس الوزراء. لو كان نتنياهو ينفر من بينيت لما منحه "جائزة الوزير الصهيوني".
بينيت بتصميمه يزرع البذور لنشوء الوليد الجديد. الاولاد الذين سيتعلمون من كتاب التربية الوطنية المتجدد، الذي بادر اليه الايديولوج المتعزز جدعون ساعر، سيتعلمون أن اهاليهم العلمانيين عديمو الايمان، سيتعرفون بعمق على النهج السياسي اليميني ولن يروا مشكلة في نزع الشرعية عن المناهج الاخرى. سيتعلمون أن فلسطينيي 48 هم مواطنون من الدرجة الثانية، وسيقبلون بتفهم أن يكون بوسع الاغلبية احيانا ان تحسم الخلاف بتجاهلها حقوق الأقلية، على أن يعرفوا كيف يقتبسوا ذلك من المصادر الأولية.
وستكون النتيجة النهائية ان يتربى اولاد إسرائيل اليهود على ان يكونوا مواطنين وطنيين، ضيقي الافق، يعيشون في دولة شبه ديمقراطية. الاغتراب بينهم وبين فلسطينيي 48 سيتعمق، والاغتراب بينهم وبين الفلسطينيين لن يكون قابلا للجسر.
داعش يفترض أن تلعب في صالح نظرية التجميد والتمترس لدى نتنياهو. فعندما سار رئيس الوزراء كتفا بكتف مع رئيس فرنسا وزعماء العالم الحر بعد القتل في "شارلي ايبدو" كان واثقا من أن العالم يرى، مثله، ان ابو مازن يخفي تحت سترته القميص مع علم داعش. في هذه الايام تطرح فرنسا على إسرائيل إنذارا للعودة إلى المفاوضات مع الفلسطينيين، والا فان فرنسا ستعترف بالدولة الفلسطينية.
فرنسا، التي تعرضت اكثر من أي دولة غربية اخرى، لضربات الارهاب لا تشتري النظرية التي يبيعها نتنياهو لمواطني إسرائيل بنجاح زائد. فهي لا ترى في الشعب الفلسطيني شريكا للتطرف.
حسب التشخيص الفرنسي، الفلسطينيون هم شعب محتل ومقموع. فرنسا، على ما يبدو، ليست وحدها – ولكن نتنياهو كخبير ارهاب قديم لا يفزع من الفرنسيين مثلما لم يفزع من اوباما او من الامين العام للامم المتحدة. نتنياهو هو زعيم واعٍ. فهو يؤمن بان لا حل للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني الا اذا تم اختراع تطبيق يخفي الفلسطينيين دون أن يؤلمهم هذا او يؤلم المدافعين عن حقوق الانسان. إلى أن يحصل هذا فإنه يقول لا للمسيرة السياسية، لا للانفصال، لا للضم – ونعم للتمترس. اهلا وسهلا إلى دولة السور والبرج.

التعليق