المندلقون

تم نشره في الأحد 14 شباط / فبراير 2016. 01:00 صباحاً

حالة الاندلاق والفرح التي تصيب كتابا وشعراء، جراء نشر مقال لهم أو قصيدة أو مادة خبرية عما كتبوه في موقع الكتروني أو في صحيفة، تجعلهم يلهثون إلى صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ليطلوها بمديح من نشر لهم، وهز أذنابهم له، تُعلقم السؤال حول تدني تقاليد احترام المبدع لنفسه.
والأدهى أن أنصاف موهوبين ممن غمروا بزعم أنهم كتاب، يشكرون أيضا على صفحاتهم “الفيسبوكية”، من التقى بهم في التلفاز أو أرهق اصبعه بالضغط على زر الكاميرا في هاتفه الجوال، فالتقط لهم صورة أو اثنتين.
لا يعرف هؤلاء أن لهم قيمة، تنأى بهم عن التزلف والرياء، وحتى التحبب على هذا النحو. فالإبداع حين يُبث للناس ليس فعلا شخصيا، أو إخوانيا، يجب أن يتقاضى عليه من بثه جوائز المديح والشكر. إنه فعل إنساني راق، ينتج قيما سامية، لا رياء ولا استخذاء فيها، لإن الإبداع يتنافى مع هذا النوع من السلوك.
ونعرف كما يعرف كل من له عِرق في الإبداع، أن واجب الآخرين أن يقتربوا من المبدع وإبداعه، وأن ينهلوا منه، تذوقا وقراءة وشوفا وسماعا ومشاركة، فهو ابن التواضع والجدة والسمو.
ولا غرو أن نرى في بلداننا، ضعف اتصال العامة مع الكتاب والمثقفين، وتردي مكانتهم، والاستخفاف بهم، ذاك أن جزءا منهم يدلق ماء وجهه من أجل نشر قصيدة أو إقامة أمسية أو ندوة أو كتابة خبر عنه هنا أو هناك، فيعمل بائعا ينادي على بضاعته بأن يأتي الناس إليها وإليه، فيما مهمته الأصيلة، تقتصر فقط على أن يكون مبدعا، يحفظ ماء وجهه، ويقدم إبداعه بما يليق بالإبداع كفعل حر، خلاق، محرض على إنتاج قيم عالية على الإسفاف.
بالطبع، لا يقتصر الأمر على هذا النحو الهزيل من المجاملة، والذي تحتشد فيه مواهب هؤلاء في مسح الجوخ، فثمة ـ أعرف ـ كتابا وفنانين، يبتكرون حيلا للمناداة على مهازلهم، فبعضهم مثلا يروج بأن كتابه قد منع، حتى يقبل الناس عليه، وآخر يتبنى إقامة حفل على شرف ناقد معروف كي يكتب عنه، وثالث يخترع جائزة لكي يفوز بها، ورابع، يتقمص دور المسيخ الدجال في الإعلان عن منجزه، عبر وسائط يدعو المسؤولين فيها إلى ولائمه، ويوزع عليهم أعطياته، ليمتدحوه في سطر أو يدعونه لإقامة ندوة.. وهكذا.
ذاك كله، أخذنا في بغتته إلى منازل العيّ، وأربك حال الإبداع في بلادنا، فأصبحنا نرى من يشتري ثمن دعوته إلى مهرجان، ومن يزحف كي يصل إلى من يترجم ما سال منه ويسميه إبداعا، حتى لو كلفه ذلك ما لا طاقة له به، وغيرها من المسالك التي تجعل الإبداع مجردا من معناه وعمقه وجماله وقيمته.

التعليق