الدولة مصممة على إخلاء البدو

تم نشره في الخميس 18 شباط / فبراير 2016. 12:00 صباحاً

هآرتس

ايلي بخر وثابت أبو الراس

17/2/2016

 قليلة هي الحالات التي توضح بهذا الشكل الحاد والواضح معاملة الدولة، برؤسائها وقادتها وقضاتها، للسكان البدو في النقب. مثل حالة أم الحيران التي هي نموذج مصغر للانغلاق والتعامل بالقوة.
 نقل سكان أم الحيران من مكان تواجدهم إلى هذه القرية، على اراضي كيبوتس شوفل في العام 1956 بأمر واضح من الحاكم العسكري للنقب. ليس هناك جدل حول ذلك. ومنذ ذلك الحين، منذ 60 سنة، لم يتم ترتيب وضع مكانة القرية: لم تسجل حقوق سكانها على الاراضي، ولم يتم وصل القرية بشبكات المياه والكهرباء، ولم تتم اقامة مدرسة فيها وليس فيها خدمات رفاه أو خدمات حكومية أو بلدية. بعض سكان القرية انتقلوا إلى حوره على مر السنين. ولكن حوالي ألف من السكان ما زالوا يعيشون في المكان وهم يشاهدون بعيون حزينة كيف أن اليهود حتى لو كانوا أقلية، يتم توصيلهم فورا بشبكات المياه والكهرباء.
على الاراضي التي تقوم فيها عتير وأم الحيران قررت الدولة اقامة يشوف جماهيري يهودي، حيران. وهو النواة التي ستستقر في المكان، من التيار الديني القومي حيث تسكن الآن في الكرفانات بالقرب من عتير ومن اجل اخلاء المنطقة لهم قررت الدولة تدمير بيوت القرية ونقل السكان الذين اعتبرتهم معتدين الى حوره.
 لكن بعد أن توجه السكان الى المحكمة، تبين أن السكان لم يعتدوا بل استقروا في المكان الذي تم ارسالهم اليه. واتضح خلال النقاشات في المحكمة ايضا أن البدائل التي تقترحها جهات مختلفة مثل الصاق أم الحيران الى عتير قد تم افشالها من قبل مكتب رئيس الحكومة. وقد رفضت الدولة كل محاولات التوصل الى حل متفق عليه وتمسكت بالحل المفروض. حتى بعد أن تبين أن الخطة التي تقترحها – نقل سكان عتير وأم الحيران الى حوره – غير قابلة للتطبيق. وأن السلطة المحلية هناك لا تقدر من الناحية التنظيمية وهي لا تريد استيعاب المزيد من السكان، كونها تناضل من اجل توفير شقق للازواج الشابة أبناء المكان.
 صحيح أن محكمة العدل العليا اعترفت بأحقية السكان من حيث الجوهر، إلا أنها فضلت تقديس الاجراءات القانونية الرسمية: طلب من اجل نقاش آخر قدمه السكان، تم رفضه، لأنه قُدم متأخرا، وليس بناء على اعتبارات العدل.
في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية وصندوق ابراهيم حاولنا تحريك الامر من اجل التوصل الى حل متفق عليه، بمساعدة مهنيين – مهندسين وأراضي – وفي اطار بذل الجهود اتضح أنه توجد عدة حلول والتي لا تتعارض مع التخطيط، وامكانية التوصل الى حل ليس مفروضا بالقوة. اضافة الى ذلك، فان عدة ممثلين عن السكان والذين شاركوا في النقاشات أعربوا عن استعدادهم لتبني بدائل معقولة. لكن جميع التوجهات لوزير الزراعة وادارة ترتيب سكن البدو في النقب تم رفضها. والحكومة لا زالت مصممة على الحل غير القابل للتطبيق وهو إعادة اسكانهم في حوره.
النتيجة هي أنه، خلافا لتوصيات لجنة غولدبرغ التي شكلتها الحكومة والتي تقول إنه يجب تفضيل واعطاء الأولوية للاعتراف بالمناطق البدوية القائمة، وعلى العكس من توصيات مسؤولي التخطيط وعلى العكس من توصيات المحكمة باجراء حوار مع السكان بدلا من الحل المفروض – فان الدولة مصممة على الاخلاء.
 الغطاء الذي قدمته المحكمة للدولة التي تجاهلت ما ذُكر أعلاه، يؤكد للسكان البدو أنهم لا يستطيعون أن يثقوا بالمحكمة، وأنها لن تنصفهم، ولكن ليس الحديث هنا عن موضوع قضائي تقني قررت فيه المحكمة، بل جوهر العلاقات بين الدولة وبين مواطنيها البدو.
 عندما تهمل الدولة السكان العرب البدو لعدة سنوات وبعد ذلك تطلب اخلاءهم لصالح اقامة يشوف يهودي جديد وترفض اجراء حوار معهم من اجل التوصل الى حل واقعي وملائم، فان اسئلة العدل والاخلاق والسياسات تطرح نفسها والتي هي في قلب العلاقة بين الأقلية والدولة.
لا يمكن تخيل أن يشوف يهودي في اسرائيل، أقيم بأمر من الدولة وهو قائم منذ ستين سنة، أن يبقى بدون كهرباء وماء وبنى تحتية مثلما الحال في عتير وأم حيران. لا يمكن أن يخطر بالبال أن يأتي أحد ويخلي السكان اليهود بالقوة في اسرائيل من اجل اقامة منطقة اخرى بدلا منها.
 في قصة عتير وأم الحيران توجد ايضا عناصر قد تحولها الى رمز سلبي حول ما يتصل بالعلاقات بين الدولة وبين السكان البدو في النقب. يمكن التوصل الى حل متفق عليه ويشكل أساس لاتفاقات اخرى بخصوص سكن البدو في الجنوب. أو تحويل المكان الى مركز للعنف والاغتراب وغياب العدالة.
  القليل من النوايا الحسنة – هذا هو المطلوب من اجل تغيير الصورة المشوهة. وما يزال بالامكان فعل ذلك.

التعليق