أطياف أينشتاين: "نحن" و"البحث العلمي"

تم نشره في الجمعة 19 شباط / فبراير 2016. 01:01 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 19 شباط / فبراير 2016. 11:54 صباحاً
  • العالم أينشتاين

د. نارت قاخون

أستعير ما قاله "هاملت" لصديقه "هوراشيو" عن "طيف والده المقتول"، لأقول عن "طيف أينشتاين":"رحّبوا بالغريب؛ إنّ في السماء والأرض يا "أينشتاين" أموراً كثيرة ممّا "توقّعها" عقلك وعلمك".
لن أتحدّث عن "أطياف أينشتاين" وما تحقّق من إنجاز علميّ بإثبات وجود "أمواج الجاذبيّة" التي افترض وجودها "أينشتاين" قبل مئة عام، وما يهيّجه من أفكار علميّة ومشاعر معرفيّة ورؤى فلسفيّة، بل أتحدّث عن مشاعرنا وردود أفعالنا في فضاء التلقّي العربيّ التي رغم نمطيّة أغلبها، واستدعاء بعضها لـ"السخريّة"، إلا أنّها لا تخلو من الدلالة الواضحة في التعبير عن أزمة واقعنا العلميّ، فإنّ واقع البحث العلميّ عربيّاً واقع مأزوم ويعاني مشاكل كثيرة ويعيش على بعد مسافات كبيرة من واقع البحث العلميّ عالمياً. ولهذا الواقع أسباب متداخلة أصيلة وفرعيّة يُمكن إدراجها في المأزق العام الذي يعيشه العالم العربيّ، ويتجلّى بغياب المُناخ الضروريّ لقيام البحث العلميّ، فالبحث العلميّ يحتاج ظروفاً وإرادة سياسيّة تؤمن بالعلم والبحث العلميّ وسيلةً مهمة من وسائل النمو والتقدّم، كما يحتاج إنفاقاً ماليّاً يوازي متطلبات البحث العلميّ وآفاقه، ويحتاج عمليّة تعليميّة تبدأ في المدارس وتصل إلى الجامعات تؤسّس لشروط البحث العلميّ الماديّة والإنسانيّة. ولو نظرنا في واقعنا العربي لوجدنا أنّه يعاني في جميع عناصر المُناخ العلميّ؛ فالظروف السياسيّة وأنماط الإدارة التي يشهدها عالمنا العربيّ تشير إلى أنّ "العلم والتقدّم العلميّ" ليس أولويّة حقيقيّة في ظلّ هيمنة تحديّات قد تكون أولى بالاهتمام والعناية؛ فبقاء "الأوطان والإنسان" عند "الشعوب" من جهة، وبقاء "الأنظمة" عند "أهلها" من جهة أخرى سؤالات مقدّمة على جميع الأسئلة الأخرى.
أمّا الواقع التعليميّ بكلّ عناصره فإنّه يبتعد كلّ يوم عن شروط المُناخ العلميّ القادر على الإنجاز الحقيقيّ، بداية من المدارس وليس انتهاء بالجامعات التي تحوّلت إلى مؤسّسات اجتماعيّة تقدّم للطلبة فرص "تحصيل الشهادات" لأجل "البرستيج الاجتماعيّ" أكثر بكثير من تقديمها فرص البحث والدراسة العلميّة الجادة.
كما لا يمكن فصل "البحث العلميّ" عن الرؤية الاقتصاديّة والسياسيّة والعلميّة، فهو يقوم مقام "القاطرة التنمويّة التقدميّة"؛ فمن الأبحاث ما ينشغل بأسئلة آفاق المستقبل الممكنة، التي بدورها ترتبط بأسئلة الواقع، ولا تنفك عن التوظيف الاقتصاديّ للمنجز العلميّ. لكنّ هذا "التوظيف الاقتصاديّ" ارتبط في السياق العربيّ بصورة "شبه حصريّة" بالدورات الاستهلاكيّة سريعة النتائج "الربحيّة" و"الشخصيّة" معاً، وسبب ذلك غياب "الرؤية المستقبليّة" و"الإرادة الحقيقيّة" في التطوير العلميّ، متمثّلاً في عدم إدراك القيمة الحقيقيّة للمنجز العلميّ في "الإدارات السياسيّة الحكوميّة"، وهيمنة "مصالح الأنظمة" على مصالح الشعوب، وتفشّي "الفساد العام" الذي جعل "رجل الدولة" مجرّد "مستثمر" يستثمر "سلطته" للثراء الشخصيّ. ومن جهة أخرى ارتبطت إرادة "القطاع الخاص"بمصالح "الرأسماليّة العالميّة الاستهلاكيّة" لا بمتطلّبات الواقع العربيّ، فأغلب رؤوس الأموال العربيّة هي جزء من مصلحة "الرأسمال العالميّ"، تنحصر أدوارها فيما يحقّق المصلحة لهذه القوى، والمصلحة الشخصيّة لأصحاب الأموال، والغائب المغيّب في هذه المعادلة هو"المصلحة الوطنيّة العامة" التي يُراد لها أن تظلّ حبيسة "الدورة الاستهلاكيّة الشكليّة التبعيّة".
وضرورة ارتباط "العلم" بـ"الاقتصاد"، وارتباطهما معاً بالواقع قضيّة جوهريّة، وهي فرع عن "سوسيولوجيا العلم" والبحث العلميّ؛ فالبحث العلميّ ليس مجرّد هوس علميّ وخيال جامح يتملّك العلماء، وهو وإن كان يحتاج ذلك دوماً، لكن ارتباطه بالواقع وأسئلة البيئة الجغرافيّة والثقافيّة والمجتمعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة ارتباط وثيق؛ فالبحث العلميّ أحد أهم وسائل تطوّر الحياة وتطويرها، وهذا التطوير يحتاج استثمار الممكنات والثروات ومواجهة المشكلات والتحدّيات، فالبحث العلميّ قد يبدأ بمغامرات فرديّة وأحلام قصيّة وخيال جامح، لكن حركته وتطوّره تتحقّق في ظلّ حواضن اجتماعيّة وثقافيّة وفلسفيّة واقتصاديّة.
إنّ ثقافة الإنتاج العلميّ والمعرفيّ ليست منفصلة عن ثقافة الحياة والنظرة إلى "الإنسان" وأدواره وعلاقاته بالعالم والكون والطبيعة، وفي هذا السياق تظهر مجموعة من أنماط الثقافة وأنساق التفكير والتديّن تجعل "الاستهلاكيّة التبعيّة" سمة المجتمع العربيّ، فالأفكار الرائجة ونماذج التديّن السائدة هي نماذج "استهلاكيّة" لا نماذج إنتاجيّة، وهنا أزعم أنّ انتشار ظاهرة ادّعاء "الإعجاز العلميّ في القرآن" مثلاً تعبّر عن عمق الإزمة العقليّة والعلميّة واستبداد أنساق الاستهلاك ووهم الهروب إلى الأمام في مواجهة التحديات العلميّة والإنتاجيّة، فلو تجاوزنا المشكلات التفسيريّة والمآزق التأويليّة والمغالطات المنطقيّة والعلميّة التي يقع فيها ما يُسمى "الإعجاز العلميّ"، فإنّ شيوع مثل هذا النمط في التفكير يعبّر عن إحدى وسائل "العقل العربي المسلم" في إعادة إنتاج أزماته، فهو يواجه التقدّم العلميّ الواقعيّ للآخر، بزعم التقدّم "النصيّ" للثقافة المسلمة، وبذلك يخفّف من حدّة الأزمة نفسيّاً، بل قد يصل إلى إزالتها بـ"التوهّم"، ممّا يفقدنا أحد أهمّ مقدمات التطوير والتغيير المتمثّلة بعمق الإحساس والوعي بوجود المشكلة وحجمها.
يساهم الخطاب الثقافي الشائع في دفع العقل العربي والمسلم إلى الهروب إلى كلّ ما ليس واقعاً موجوداً، فإمّا الهروب إلى "النّص ولغته" أو الهروب إلى "الزمن الماضي المفقود" باستدعاء آثار السابقين وأدوارهم والاكتفاء بها، أو الهروب إلى "الزمن القادم الموهوم" عبر ترويج أفكار حتمية "النصر والتقدّم" عبر السلوك الديني وحسب، أو الهروب إلى الزمن الميتافيزيقيّ" الأخرويّ"؛ زمن ما بعد الموت.
وعند الحديث عن "البحث العلميّ" ومُناخاته، لا يُمكن تجاهل "سؤال الحريّة"؛ فالحريّة شرط الحياة بما هي حياة إنسانيّة تليق بالإنسان، فكيف بالبحث العلميّ والفكري؟ وهنا يُمكن قراءة الأمر في مستويات متعدّدة؛ فعلى مستوى البحث العلميّ المؤسّسيّ لا نستطيع إنكار التداخل بين الأغراض المؤسّسيّة والأغراض البحثيّة، وهذا يجعل "الحريّة" فرعاً عن رؤية "المؤسّسة" و"الدولة"، وهذا التداخل نلحظه في العالم المتطوّر بحثياً، فإنّ "شموليّة الدولة" وغياب الحريّات الفرديّة في بعضها لا يؤثّر بالضرورة في سيرورة البحث العلميّ التطبيقيّ الخالص، لأنّ ارتباط المنجزات العلميّة بأغراض موجّهة قد يكون مفيداً وليس مضرّاً بالضرورة، ويشهد التاريخ والواقع أنّ جزءاً من المنجزات العلميّة نشأت في أجواء "شموليّة واستبداديّة" حين كان "الإنجاز العلميّ" مقصداً من مقاصد "السلطة الحاكمة"، ومظهراً من مظاهر "أُبّهتها"، ولذلك فإنّ مأزقنا العربيّ يبدو "مضاعفاً"؛ لأنّ أغلب "أنظمته الاستبداديّة" لا تسعى لـ"أُبّهة العلم"!
ورغم ذلك فإنّ "العلم والمعرفة" يرتبطان بالذاتيّة والجهد الإبداعيّ الفرديّ المتفاعل مع الجماعيّ، لذلك فإنّ حريّة التفكير والإبداع تصير شرطاً ضروريّاً لتحقّق مُناخ علميّ معرفيّ مسكون بالسؤال والإبداع واجتراح آفاق الإجابات الجديدة التي تُنتج "البِذار والأفكار"، ولكنها لا يُمكن أن تتحوّل إلى "ثمار" ما لم تكن "البيئة الحاضنة" صالحة وقابلة لـ"الإنماء" و"الإثمار".
وهنا لا يجوز إغفال "العوامل الخارجيّة" خوفاً من الاتّهام بـ"المؤامراتيّة" وتعليق أخطائنا على الآخرين، فإن كنّا مسؤولين عمّا يحدث لنا، فإنّ أطماع "الآخر" ومخططاته ليست بريئة ممّا يحدث لنا، فلهذه المنطقة مُغريات طبيعيّة وجغرافيّة تجعلها في بؤرة اهتمامات أيّة قوة كبرى تحاول بسط نفوذها وسيطرتها.
وبتواطؤ العوامل الخارجيّة والداخليّة يتحقّق الواقع الذي نعيش أزماته وتحدّياته الوجوديّة والحضاريّة الآنية والمستقبليّة.
بهذه الرؤية فإنّ التحدّي الذي أفترض وجوده وأدافع عن وجوب النهوض له أكبر وأعمق من مجرّد السعي نحو الإنجاز العلميّ المشروط بشروط الآخر الذي يعمل لإبقاء "الواقع التبعيّ" واقعاً مهيمناً، لذلك فإنّ "فلسفتنا للعلم والحياة" ينبغي أن تنسجم والغاية الحقيقية التي نريدها وتبدأ بـ"استقلال الإرادة"، ثمّ تطوير ممكنات القدرة على اجتراح خياراتنا منحازين لأنفسنا في ظلّ عالم مشحون بالانحيازات لمصالحه، انحيازاً يحقّق لنا "المشاركة الفاعلة" و"التدافع الحضاريّ الإيجابيّ" ويساهم في خلق "عالم أفضل" نعيش فيه معاً لنعظّم "الخير المشترك"، ونقلّل "الشرور العامة والخاصة" قدر الإمكان.
إنّ الحديث عمّا ينبغي أن يكون مذكّر بالضرورة بما هو "غائب في الواقع"، وهو كذلك مخبرٌ أنّ "الدرب ما تزال طويلة شاقة"، و"الغايات" ما تزال "بعيدة" تزداد ابتعاداً حتى أصبحت "حلماً مستحيلاً" أو كادت، ولكن يظلّ الأمل بغدٍ يأتي يولد فيه "مَن يستولد الحقّ من أضلع المستحيل".

التعليق