د.باسم الطويسي

هيكل والأردن

تم نشره في السبت 20 شباط / فبراير 2016. 01:05 صباحاً

بشكل واضح ومباشر، لم تكن علاقة الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل بالأردن ونخبه السياسية الرسمية سارة في معظم الحقب التاريخية. ومع رحيل هيكل الأسبوع الماضي، علينا مراجعة خلفيات تلك العلاقة الشائكة، ومحاولة تفكيكها. فثمة حبر كثير سكب خلال الأيام القليلة الماضية؛ بين المديح والثناء لسيرة الأستاذ، وبين هجائه وذمه. وساهم معلقون أردنيون في هذا النقاش الاحتفالي الذي يستحقه الرجل، فيما نحن بحاجة إلى مراجعة ظاهرة هيكل من منظور أردني من جديد، بعيدا عن ردود الأفعال والانفعال الآني الذي مارسناه على مدى عقود طويلة، كلما خرج هيكل بوصف أو تعليق جديد.
دخل هيكل في حرب كلامية مع الأردن منذ فترة مبكرة من دخوله عالم الصحافة، ترجع إلى ما قبل الثورة المصرية وعصر جمال عبدالناصر، أي الحقبة الملكية والصراع السياسي على الأدوار الناشئة نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، إذ كانت عمان في تقاطع واضح مع القاهرة في الكثير من المحطات. وهو الأمر الذي استمر في الصعود مع العصر الجديد في مصر بعد الثورة، ومع صعود نجم هيكل في الصحافة والسياسة في مصر والعالم العربي. وما من شك أن الحرب الإعلامية المعروفة بين عمان والقاهرة في الخمسينيات والستينيات قد خضعت لمزاج هيكل الذي كان يمسك بزمام الإعلام المصري، وتحديدا حينما كان يرأس تحرير "الأهرام" التي كانت تشكل مزاج الإعلام المصري وأحيانا العربي على مدى نحو 17 عاما.
نالت سهام هيكل العديد من الحكام العرب، ولم يبق شاردة ولا واردة إلا عدها بحق هذا الزعيم أو ذاك. إلا أن من الواضح أن هيكل كان يدرك أن خلافه التاريخي مع الحكم في الأردن يعبر عن مدرستين سياسيتين مختلفتين تماما في الأسلوب والتحالفات. لكن ما قد يفسر قسوة هيكل بحق الأردن وحكامه أن هاتين المدرستين رغم اختلافهما فإنهما كانتا تعلنان الانتماء للفكرة القومية العربية. وفيما عمان تستند إلى خطاب الثورة العربية الكبرى ومشروعها في توحيد المشرق العربي، كانت القاهرة تبني قاعدة جماهيرية كبيرة في الشارع العربي؛ إنه الصراع على قيادة فكرة القومية العربية، وليس الدفاع عنها أو حمايتها.
أحد مفاتيح الصراع مع عمان هو الثراء السياسي لعاصمة فقيرة لم يكن يسكنها أكثر من مائتي ألف نسمة في منتصف الخمسينيات، تعاند عاصمة القومية العربية المليونية بكل ما تملكه من ثراء شعبي وثقافي. هذه المعادلة تفسر علاقة الأردن الرسمي الذي نجح في نموذجه شبه الليبرالي المتسامح مع الإسلام السياسي، والمتحالف مع الغرب والمتناقض مع المدارس الأيديولوجية العربية، والذي استطاع الاستمرار والاستقرار، وفي المقابل فشل في بناء جبهة من المثقفين تدافع عن قيمه التي صمدت واستمرت، وفشل في بناء خطاب ثقافي يسوّق هذا النجاح.
دخل هيكل في اشتباكه مع الأردن مع بدء نشر كتبه الجدلية. واستمر الأمر في تصعيد مباشر في مقابلاته التلفزيونية الشهيرة منذ نهاية عقد التسعينيات. فقد قال ما قال في كتب مثل "جيوش وعروش"، و"حديث المبادرة"، و"سلام الأوهام والمفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل"، و"كلام في السياسة"، وغيرها من الكتب والمقالات. لكن المدهش في سلوك هيكل الإعلامي أنه عادة ما يعود لينصف الملوك الهاشميين وكأنه لم يقل شيئاًَ، وتحديدا على المستوى الشخصي وعلى مستوى النزاهة وبحثهم عن مصالح شعبهم. وهذا ما فعله في مقاله الطويل بعد وفاة الملك عبدالله الأول، وما فعله مع الملك الحسين في أكثر من محطة.
مات هيكل، ولم تنته قواعد الصراع التي حكمت المنطقة على طول العقود الماضية، رغم أننا نعينا لعبة الأمم التقليدية مرات ومرات. كل ما يمكن أن نستذكره ونتعلمه من حروب هيكل وزمنه أن الثراء السياسي يحتاج إلى ثراء ثقافي وإعلامي كي يحميه، وهو ما لم نفعله إلى اليوم.

التعليق