الأهمية الاجتماعية لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة

تم نشره في الأحد 6 آذار / مارس 2016. 12:00 صباحاً

د. غسان الطالب*

مما لا شك فيه أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تمثل اليوم أهم مكونات الاقتصاد العالمي، بحيث تمثل ما يقرب من الـ95 % المشاريع الانتاجية في دول العالم، ويعمل بها حوالي 60 % من مجموع الأيدي العاملة في الاقتصاد العالمي، وحسب مؤسسة التمويل الدولية (IFC) فإنها تسهم بحدود الـ33 % من الناتج الإجمالي للدول النامية، وكذلك توظف 45 % من الأيدي العاملة لديها، بينما هذه الأرقام تتغير في الدول الاقتصادية المتقدمة، فنجد أنها تسهم بما يقرب الـ64 % من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف حوالي 62 % من مجموع الأيدي العاملة في اقتصاداتها.
لهذا نجد أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة لها دور طليعي في اقتصادات العالم، لكنها تعاني من ضآلة فرص التمويل كي تؤدي دورها كما يجب في المساهمة الحقيقية في اقتصاديات الدول وخاصة النامية منها وحتى يكون لها مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي وتوظيف الأيدي العاملة، والمفارقة التي يجب التوقف عندها، كما ورد تقرير مؤسسة التمويل الدولية.
ففي البلاد العربية على سبيل المثال، كما أورد التقرير المذكور، 21 % من المشاريع الصغيرة والمتوسطة فقط تحصل على قروض من قطاع البنوك، علما بأن حوالي 74 % منها لديها حسابات بنكية لدى هذا القطاع وتودع أموالها فيها، فكيف نفسر عدم رغبة البنوك في دعم هذه المشاريع في تلبية حاجتها من التمويل في الوقت الذي يحتفظ بودائعها لديه، ويؤكد التقرير المذكور أن هذا الوضع أوجد فجوة تمويلية تقدر ما بين 210 و240 مليار دولار أميركي، فقط في البلاد العربية بدون تقدير هذه الفجوة في بقية دول العالم، إذن نحن أمام تحد كبير يواجه هذا القطاع؛ قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
إذ من المؤكد أن المشاريع الصغيرة في عموم اقتصاديات الدول سواء المتقدمة أو النامية تسهم مساهمة كبيرة في الناتج القومي لهذه البلدان كونها تسهم في توفير فرص عمل وتخفف من عبء الفقر خاصة في الدول النامية، إضافة إلى مساهمتها في تحقيق حالة من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المناطق الريفية وتقليل الهجرة إلى مراكز المدن بحثا عن فرص العمل، لهذا فإننا نقدّر الأهمية الاقتصادية والاجتماعية، لوجود مثل هذه المشاريع في اقتصاداتنا العربية والإسلامية وضرورة وضع استراتيجيات تمويلية لتوفير التمويل اللازم لها سواء من الدولة أو من مصادر التمويل الخاصة ممثلة في القطاع المصرفي والمؤسسات المالية المعنية بذلك في كل بلد.
وفي مقالة سابقة، أشرنا الى الكلام الذي صدر عن رئيس وحدة الدراسات في المؤسسة العربية لضمان الاستثمار في ورشة العمل التي نظمتها جامعة الدول العربية بالتعاون مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) والتي كانت بعنوان “مناخ الاستثمار في الدول العربية، التقييم والتوصيات”؛ حيث أشار إلى أن الدول العربية والحديث هنا فقط عن الدول، يمكن لها أن تستقطب استثمارات أجنبية في مشاريع متوسطة وصغيرة، بين 255 و405 مليارات دولار للفترة من 2014 إلى 2018، كما قدر حجم الاستثمارات الإجمالية والمتضمنة الاستثمارات الحكومية والقطاع الخاص في هذا القطاع، إضافة إلى الأجنبية في 16 دولة عربية بحدود 4 تريليونات دولار للسنوات الخمس المقبلة بناء على معلومات صندوق النقد الدولي.
ومن هذا المنطلق، فإننا نرى إمكانية وجود دور مبادر وريادي من قبل قطاع المصارف الإسلامية في الاهتمام بهذا القطاع وتقديم الدعم المناسب له، حتى يمكنه أن يقدّم مساهمة فاعلة في البناء الاقتصادي في مجتمعاتها، علماً بأن الأدوات التمويلية المتبعة لديها يمكن لها أن تغطي هذه الحاجة، بدون أن يضطر أصحاب هذه المشاريع إلى اللجوء الى الاقتراض بالفائدة لسد حاجاتهم التمويلية.
كما أننا نرى أن المصارف الإسلامية، يمكن لها أن تولي اهتماما أكبر لتقديم التمويل لهذا القطاع لا بل البحث عن مكوناته في أماكن تواجده، وأن تقدّم له الدعم المناسب لما تحققه هذه المشاريع من خدمة هائلة للاقتصادات الوطنية، كما يمكن لهذه المصارف الوصول إلى مناطق الأرياف البعيدة عن مراكز المدن وتقديم خدماتها، كونها صاحبة رسالة أخلاقية واقتصادية نأمل أن تنتفع منها كل حلقات الاقتصاد الوطني في كل بلد.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

التعليق