صورة ملوثة بالاصفرار

تم نشره في الأحد 6 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

نتحدث عن التاريخ كما لو أنه رجل. لا أحد يأتي على ذكره كأنثى. قولوا لي.. من منكم سمع أحدا، أو أحدة، يؤنث التاريخ، فيقول مثلا "تاريخه"؟
طبعا لا أحد.
حتى في أحلامنا، نوسع المجلس، حين يدخل التاريخ علينا، ونعطيه صدر المكان، فيضع ساقا على ساق، ويبدأ تلمظاته، وفتل شاربيه، وتعديل عقاله، وضبط ميزان عباءته، وحك لحيته ببراعة، تدلل على مكره وخبثه، وخطبه العصماء، التي نتسمر لما انتفض فيها من سعال الماضي، وكأن الماضي حي يرزق.
لو كان التاريخ مؤنثا، مثلا، لكان أقصي من مجالسنا، ولوضع تحت المجهر، ولعومل على أنه عورة، ويمنع من رفع صوته، ويوصم بأنه ضلع أعوج، وربما يقتل في جريمة شرف، من أخ مختل عقليا، أو أب لم ينجح في مدرسته، وعاش حياته مهملا.
أقول قولي هذا، وأنا أتامل متاهة التاريخ، هذا الذكر المحتشد بكل أعنة الخيل والسيوف الصوارم والغزوات الماجدة، والفتوحات التي لم تبق ولم تذر، حتى جعلت ركبتي امبراطور الصين تصطكان.
نقرأه وهو على فرسه الصاهلة في براري العالم، لم يهزم، ولم يخطئ في أمر، وكل من احتشد لمواجهته يعود منكسر الخاطر والوجدان، أو في تابوت إن وجد من يحمل جثته ليلقي به تحت التراب.
لطالما تخيلته، أعني التاريخ، محتدما في معركة، أو يلهث تحت ظلال السيوف، أو مكللا بالغار، وحين قرأته، كان العث يعبث بورقه الأصفر، لماذا؟
ولماذا نراه كما لو أنه مقدس، لا يمكن مسّه، أو محاورته، أو مساءلته، أو نفض الغبار عن التزوير والتدليس الذي حشي به، أو فضح أكاذيبه، أو تفكيك خطابه المسكون بنزعات عنصرية، وتهويمات تفوق عرقي وقومي وعقائدي؟
لماذا نفرح حين ينحاز لنا، لانتصاراتنا، لمنجزاتنا، ونصفق كثيرا لبطولات أبطاله، وننسى ما ارتكب فيه من جرائم وضحايا وخراب وكذب وبهتان؟
اليوم، ونحن نستعيد ما خزنه الورق الأصفر لنا، وما تكدس على رفوف مكتباتنا التي نهب نصفها، وحرق نصفها الآخر (صحيح من أين جاء التاريخ ما دام كل ورقه نهب وحرق؟)، نحمل التاريخ -الذكر، على فرس- أنثى، مدندشة بالفضة والذهب، ونتحدى العالم بماضينا، بينما العالم لا يرانا حتى بالعين المجردة.
أما آن لنا أن نوقف هذا الوهم الذي يرتكب كل يوم حماقة، تسيل لأجلها سيول دم، وتمزق في رحابها أوطان، لو امتثلت للحقيقة مرة واحدة، لما لمس الوحل قاع أقدامها؟

التعليق