متتالية الخوف عند الإنسان المسلم

تم نشره في الجمعة 11 آذار / مارس 2016. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

ثمة فكرة يتم تداولها في العالم الإسلامي، ذات بُعد غيبي، لكنها أنشط ما تكون في عالَم الشهادة! وأعني فكرة "الصراط المستقيم"، والإمكان الاحتشامي الذي ينطوي عليه هذا الخيط الرفيع، إلى درجة تحوّله إلى حقل مغناطيسي كبير في أذهان المسلمين، بما يجعلهم منجذبين ناحية الداخل، وغير قادرين على السقوط في جحيم عالَم الشهادة والعمل على تحويله إلى جنّة حضارية.
يدور في أذهان المسلمين حدث ملحمي ستجري أحداثه الميلودرامية في العالَم الماورائي، بعد أن تنتهي المرحلة البرزخية، حيث المشهدية العظيمة لكائنات كثيرة، تعبر خيطاً رفيعاً أضعف من الشعرة وأحدُّ من السيف. هذا الحدث الماورائي يتم استحضاره كنوعٍ من التُقى الذي يطال المسلم في بنيته الدينية، ويؤشر عليها –وفقاً لاعتبارات العبور فوق الجحيم- تأشيراً تأثيمياً أو تأشيراً استحسانياً. لذا لا يفتأ المسلم يتأكّد في عالَم الشهادة والواقع المعيش في نظرية الصراط المستقيم، لكي لا تزلّ قدماه في الحياة الدنيا، لما ينطوي عليه هذا الزلل من استحقاق أخروي عنيف.
إن الولادة الأولى للمسلم الخائف هي ولادة مزدوجة: واحدة بيولوجية وثانية ثقافية.
في الولادة البيولوجية، تمّ توريث الإنسان المسلم جين (Gene) الخوف من مقاربة هذا العالَم والرضا بالواقع، خشية أن يكون في أي إزاحة حضارية يمكن أن يقدم عليها، أو يفكّر بالإقدام عليها، خطر يتهدّده في حياتيه الدنيوية والأخروية بما يجعله من ضحايا الصراط المستقيم الذي يُقذفون في نارٍ لا تبقي ولا تذر.
لقد تمّ ختن أجيال متعاقبة من المسلمين، وذلك ببتر حيواتهم الشجاعة القادرة على مواجهة العالَم وتحدّي منظومته، وذلك بإضافة ما هو جديد يحدّ من غلواء الطبيعة وسطوتها على الإنسان. فما إن وصل الإنسان إلى مرحلة ولادته الطبيعية حتى وجد نفسه مع إرث تخويفي كبير، صار بمثابة "الجين" الذي يتحكّم بمسلكياته المعيشية، ويضغط على نشاطه الانفجاري باتجاه الخارج؛ فهو لا يفتأ ينسحب ناحية الداخل، احتراماً لإرث الآباء والأجداد. وهذا بدوره أدى إلى تقزيم الإنسان المسلم إلى درجة أن صار يشعره بقصره إذا ما وقف محاذاة الآخرين، لاسيما أولئك الذين لديهم القدرة على إضافة جديد في هذا العالم. إنه يرتكس باتجاه الداخل ارتكاسة الخائف الذي لا حول له ولا قوة، بما أثر سلباً على مسلكياته الحضارية، ودفعه باتجاه ردّات فعل غير عقلانية، ها نحن نُعاين فظاعاتها وجهاً لوجه، وتكاد تقضي علينا جميعاً.
وفي الولادة الثقافية لمنظومة الخوف عند الإنسان المسلم، تمّ ختنه عقلياً، وذلك ببتر عضوه الذهني، وإدخاله في شبكة هائلة من المفاهيم التي تفعل في ذهنه فعل الصراط المستقيم. لذا هو يحاذر حذر الخائف الأبدي من الزلل والخطأ والوقوع عن هذا المعمار اللاهوتي الشاهق! لذا تبدو خطواته خطوات محتشمة ورصينة، حفاظاً على طهارته المفاهيمية، بما كبّله تكبيلاً حضارياً، وجعله عاجزاً عن مقاربة العالَم مقاربة جديدة، خشية أن يكون في هذه المقاربة ما يُفضي به إلى عذاب شديد!
نعم، يبدو المسلم محتشماً على المستوى الحضاري، فهو لا يفتأ يضمّ رِجلي عقله على طهارته الذهنية التي رُبِّي عليها، خشية أن ينخدش حياؤها ويعود من ثمّ بلا حياء! بما يقوده إلى السقوط والزلل عن صراطه المستقيم. إنه بإزاء منظومة مُرعبة، تحدّ من قدرته الإبداعية، وتجعله رهين خِتانه العقلي. فهو إذ ينولد في العالم ولادة ثقافية، فإنه يكون قد تحقّق في جيناته السابقة، تحت وطأة الإطاحة بهذه الولادة وتهديدها في قيمتها الوجودية، في حال زلَّ عن صراطها المستقيم، وأدعّى بما ليس موجوداً فيها.
بين الولادتين التخويفيتين؛ البيولوجية والثقافية، للإنسان المسلم، تضغط الكتلة البشرية الكبيرة على إمكانات الفرد الواحد، بطريقة تجعل منه خاضعاً لصراطها المستقيم، لأن أي اجتراح جديد خارج تعاليمها، هو سقوط في الجحيم، وانتقال من مرحلة الطُهر الجمعي إلى مرحلة الرجس الفردي. وتضغط –أيضاً- الكتلة المفاهيمية الكبيرة على إمكانات الفرد الواحد، لكي يبقى طاهراً طهارةً ثقافية، بحيث لا يخرج من المِلَّة، ويعود من ثمّ كائناً مرجوماً وملعوناً.
إنه –أعني الإنسان المسلم- يُحاذر وهو يمشي مشيتيه البيولوجية والثقافية، خشية أن يخرج على ما تُعورف عليه جمعياً، وقرَّ كصراطٍ مستقيم لا ينبغي الخروج عليه. لذا نجد هذا الإنسان وفياً لمنظومتيه البيولوجية والثقافية، سواءً أراد أن يدخل إلى دورة المياه، أو أراد أن يستعمل قطرةً للأنف في نهار رمضان، أو أراد أن يستاك بالسواك، أو أراد أن يتزيّن ويتهندم، أو أراد أن يستخدم الهواتف الذكية، أو أراد أن يستطلع المظاهر الكونية، أو أراد أن يقرأ كتاباً، أو أراد أن يكتب كتاباً، أو أراد أن يعرف الجديد في موضوع الخلايا الجذعية، أو أراد أن يمسح عنقه وقت الوضوء، أو أراد أن ينام على جنبه الأيسر، أو أراد أن يسجّل ابنه في مدرسة مختلطة، أو أراد أن يستطلع عظمة الله في جبال التيبت، أو أراد أن ينقد كتاب البخاري، أو أراد أن يقرأ "إنجيل متّى" بحماس كبير... إلخ.
إنه يمشي الهوينى على صراطه المستقيم، خشية أن لا تنخدش منظومتاه البيولوجية والثقافية، بما يُحطمه على المستويين السيكولوجي والمعرفي. فهو خائف خوفاً كبيراً على المستوى الوجداني، فأي خطأ صغير سيكون ثمنه باهظاً؛ وهو مُحطّم معرفياً على المستوى العقلي، فهو لا يملك من المعارف ما يجعله يتساوى كمرحلةٍ أولى مع أقرانه الحضاريين، وتجاوزهم كمرحلةٍ ثانية، فهو يتأكّد في معارفه القديمة، ويجترّها المرة تلو الأخرى، بما يعزله عن السياق الحضاري، ويجعله غائباً عن كل ما يتطلّب اجتراحه في هذا العالم، ذواتاً حُرّة، مقدامة وشجاعة.

التعليق