"ابن تيميّة" ومأزق "الشخصيّة الجدليّة"

تم نشره في الجمعة 11 آذار / مارس 2016. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 11 آذار / مارس 2016. 11:21 صباحاً

د. نارت قاخون

لا تخلو الخبرة الإنسانيّة من شخصيات نالت حظاً من الجدل والاختلاف والخلاف فيها أكبر من غيرها، هي شخصيات يُمكن وصفها بـ"الشخصيّات الجدليّة".
ولعلّ شخصيّة "ابن تيميّة" مثال جليّ على هذه "الشخصيّة الجدليّة" في سياق عصرنا. فهي من أكثر الشخصيات حضوراً ما بين "أتباع له ولأقواله" و"أعداء له ولآرائه". ورغم هذا الحضور الطاغي لاسم ابن تيميّة في مشهد السجال الفكريّ، فإنّني أرى أنّ أكبر الغائبين المغيَبين في هذا المشهد هو "ابن تيميّة" نفسه! وكبرى ضحايا هذا السجال هي آراء ابن تيميّة نفسها؛ فـ"ابن تيميّة" مظلوم مُحرَّف مختزَل عند "أتباعه ومُعظِّميه" قبل "مخالفيه وكارهيه". ولهذا الواقع الاختزاليّ التحريفيّ لمنجز "ابن تيميّة" أسباب كثيرة، منها ما يعود لكتابات "ابن تيميّة" نفسها، ومنها ما يعود لأتباعه ومخالفيه.
وممّا يعود لـ"ابن تيميّة" وكتاباته:
1. ضخامة إنتاج ابن تيميّة؛ فله من المؤلفات بين المطوّلات والمختصرات ما يُجمع في عشرات المجلدات، ممّا يجعل الإحاطة بها عسيرة، والمحاكمة المنصفة لها صعبة، إضافة لقلق نسبة بعضها إليه.
2. اتساع البحث "التيميّ" أفقيّاً وعموديّاً ليشمل أغلب مباحث العلم والفكر والتراث في سياق عصره؛ فله في القضايا الكلاميّة العقديّة والأصوليّة والتفسيريّة والفقهيّة والحديثيّة والفلسفيّة واللغويّة والتاريخيّة والسلوكيّة مشاركات ونصيب. كما أنّه لم يترك مذهباً فلسفيّاً كان أم كلاميّاً أم فقهيّاً أم تصوفيّاً إلا خاض مع أصولهم وفروعهم جدالات امتازت بالصخب غالباً.
3. تداخل مستويات الكتابة بل تناقضها أحياناً في نقاشه للمسائل؛ فتجده مرّة فقيهاً حنبلياً لا يجاوز أقوال أصحاب أحمد، ثم تجده "مجتهداً" يتجاوز "المذاهب الموروثة كلها"، وتقرأ له في "ذمّ الفلسفة وعلم الكلام" حتى لكأنّك أمام رجل نذر حياته لمحاربة أيّ نشاط تعقّل في التراث الإسلاميّ، ثمّ تجده "متكلّماً" "متفلسفاً" كأنّه يروم "استئناف علم الكلام والفلسفة" يريد "إحياء ما كاد يموت" من فعل تعقّل فلسفيّ كلاميّ.
4. الحِدّة النفسيّة الظاهرة في كثير من كتابات "ابن تيميّة"؛ فهو ذو شخصيّة تغلبها الحِدّة وميّالة للجدال، ممّا يدفعها لقول آراء واتخاذ مواقف متأثرة بسياق جدله مع الآخرين. وسياقات "الجدل الفكريّ" من أكبر المؤثِّرات في التكوين الفكريّ للإنسان، وربما يتخِذ المجادِل مواقف فكريّة ما كان ليتخِذها لولا سياقات الجدل وتطوّراته وإلزاماته.
5. انتماء ابن تيميّة للمذهب الحنبليّ أو الاتجاه الأثريّ، وهو اتّجاه يمتاز "بكثرة المرويات والمنقولات"، وقلّة "المنجز التأصيليّ" من أصول فقه وعلم كلام بل فقه أيضاً، لدرجة أنّ عدداً من كبار العلماء أخرجهم من "المذاهب الفقهيّة" حين صنّفوا في "اختلاف الفقهاء".
هذا "الفقر التأصيليّ" مقارنة بالمدارس الكلاميّة والفقهيّة الأخرى، دفع "ابن تيميّة" الذي يتميّز بشخصية قويّة نزّاعة للظهور والبروز إلى محاولة سدّ الفراغ المعرفيّ في المدرسة الحنبليّة الأثريّة، لذلك يُعد "ابن تيميّة" الباني الحقيقيّ بل "الوحيد" لمرتكزات "المدرسة السلفيّة الأثريّة" فكراً. ولهذا لا يُستغرب "تعظيم السلفيّة المعاصرة" له؛ فهم من دون مؤلفاته وآرائه صفر اليدين من أيّ زاد معرفيّ.
6. الحياة الشخصيّة والسياسيّة والاجتماعيّة لـ"ابن تيميّة" التي غلب عليها "الشعور باضطهاد" القوى الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة السائدة في عصره؛ فخلافاته التي أدخلته السجن مرّات حتى مات فيه صبغت فكره وحياته بصبغة "المجاهدة والبطولة"، ممّا أكسبه عند أتباعه قيمة فكريّة مضافة وهالة تقديسية زائدة. فـ"المظلوميّة" مكوّن نفسيّ يجعل "الأتباع" أكثر تعظيماً وتأثّراً بمن وقع فيها. وهذه سمة تُلاحظ في كثير من الشخصيّات في التاريخ والواقع.
هذه بعض أسباب ترجع لـ"ابن تيميّة" نفسه تفسّر "الحالة الملتبسة الجدليّة"" التي يشهدها "الموقف التيميّ". ولكن ماذا عن "الأتباع" و"المخالفين"؟
الراصد لمواقف "الأتباع" و"المخالفين" يلحظ أنّ أغلب أفراد الفئتين ينطلقان من موقف حَديّ حاد لا يعترف إلا بالأسود والأبيض لونين؛ فإمّا أنّ "ابن تيميّة" خير كلّه أو شرّ كلّه. وهذه "الحَديّة" و"الحِديّة" سمتان ترافقان سيرة "الشخصيّات الجدليّة"، وكلما ازداد الجدل ازداد تطرّف المواقف في حَدّيتها وحِدّيّتها. فمشكلة "أتباع ابن تيميّة" تكمن في أنّهم لا يجدون لهم شيخاً معتبراً على طريقتهم إلا "ابن تيميّة"؛ فهم بأصنافهم لا وجود لهم بآرائهم وتفاصيل أقوالهم خارج آرائه وآراء تلميذه "ابن القيّم". أمّا بقيّة العلماء من قبل ومن بعد فلا يخلو أحدهم من ملحظ "عقديّ أو منهجيّ" كما يرى "أتباع ابن تيميّة"! لذلك تجدهم يُنزلونه منزلة عظيمة جداً، ويتعاملون بقدر عالٍ جداً من "الحساسيّة" و"التشنّج" إذا ما ذُكر شيخهم بسوء أو خطأ؛ لأنّ أيّ زلزلة لفكر ابن تيميّة تعني بالضرورة زلزلة للفكر الذي يؤمنون به كلّه. أمّا الأسماء التي يصنّفونها في "المدرسة الأثريّة" فغالبهم لا يقدّم ما يقدّم "ابن تيميّة" من آراء "واضحة" و"صريحة".
ويُضاف إلى مشاكل "الأتباع" المعظِّمين حدّ "التقديس" لابن تيميّة -وإن أنكروا ذلك قولاً وهم واقعون فيه فعلاً- أنّهم يختزلونه في جملة من المقولات والنتائج تتجاوز ما وراءها من تفصيلات وجدالات، دفعتهم لتمثّل "الموقف النفسيّ التيميّ" من دون تمثّل "الزاد المعرفيّ له"، فيردِّدون معه عبارات "ذمّ الفرق والطوائف والمذاهب"، وذمّ "علم الكلام" و"الفلسفة" من دون أن يقتربوا من دراسة هذه الفرق والمذاهب وعلم الكلام والفلسفة كما فعل "ابن تيميّة" نفسه. والقاعدة عندهم أنّ "ابن تيميّة" قد كفاهم عبء البحث في مثل هذه الأمور، وليس على "الأتباع" المخلصين إلا أخذ "النتائج" وترديدها ومحاربة الجميع بها. ولو اختبرت "أتباع ابن تيميّة" لوجدتَ كثرتهم تجهل "ابن تيميّة" جهلاً "مخيفاً"؛ فلا يعلمون من أمر "تأصيله" إلا أقلّ القليل، بل تجدهم "يحرّمون النظر" فيما نظر فيه "ابن تيميّة" من مصنفات المذاهب والمتكلّمين والفلاسفة، فلو سألت أكثرهم: هل قرأتم كتب هذه الفرق وهؤلاء العلماء الذين "ردّ ابن تيميّة" أقوالهم؟ لأجابك كثير منهم: كفانا "ابن تيميّة" ذلك! ثم لو سألتهم: هل قرأتم كتب "ابن تيميّة" بمطوّلاتها وتفاصيلها في ردوده؟ فلن تجد مَن فعل إلا أقلّ القليل!
وممّا لا شك فيه أنّ مسيرة "التبعيّة التيميّة" مرّت بلحظات تاريخيّة حاسمة ومؤثرة في السياق الثقافيّ العربيّ الإسلاميّ. فـ"ابن تيميّة" لم يكن ملء السمع والأبصار في جميع الأزمنة التالية لحياته، بل عاش قروناً منزوياً في إطار المدرسة الحنبليّة الضيّق، ولكن التحوّلات التي حدثت بعد ظهور "الوهابيّة الحنبليّة"، ثمّ الفورة "البترو-دولاريّة" في العقود الأخيرة، وما رافقها من تطوّرات في وسائل الاتّصال، جعلت "ابن تيميّة" ومؤلّفاته وآراءه في مركز الجدل الفكريّ والعقديّ والفقهيّ والممارساتيّ، ولم يكن احتجاج التيّارات المتطرّفة الإقصائيّة بآراء "ابن تيميّة"، وتأكيدها الانتساب إليه، إلا حلقة من حلقات هذه "المركزيّة" وتجلّياتها.
ونتيجة لهذا الشيوع والمركزيّة الاحتجاجيّة الناشئة من انتشار هذا الفكر على اختلاف مستوياته، كان من الطبيعيّ أن تترافق معه ردّة فعل تمثّلت في أتباع الحواضن الكلاميّة والفقهيّة التي كانت لها السيادة والانتشار، اتّسمت عند بعضهم بـ"التشنّج" و"التّطرّف المضادّ"، ووافق هؤلاء مجموعة ممّن ينادون بالتنوير والتحرّر والعصرنة نظروا معاً إلى "ابن تيميّة" فكراً وفقهاً وممارسةً بوصفه سبباً رئيساً لانتشار "التّطرّف" و"الفكر التقليديّ" و"النهج الإقصائيّ".
والواقع أنّ ما يجمع كثيراً من هؤلاء "المخالفين" بكثير من "الأتباع" أكبر ممّا يفرّقهم، أعني عدم الدراية والقراءة المتأنية المنصفة لـ"تراث ابن تيميّة" الذي أظنّ أنّ قراءة له بالشروط التي ذكرتُها ستخفّف كثيراً من "تطرّف الفئتين" في موقفهم "التعظيميّ" و"التشنيعيّ" على حدٍّ سواء، فمَن اتّسع علمه قلّ "إعجابه وتعجّبه"، وقلّ "إنكاره ونكيره".
ومن المشكل أن يكون سياقنا الفكريّ حبيس فكر إنسان أو بشر، ينتمي فكرهم بصواباته وأخطائه إلى سياق حضاريّ وثقافيّ ومجتمعيّ تجاوزه عصرنا بآفاقه وتحديّاته، فأرض الفكر والعلم أرحب من أن تُختزل في "شخص" ليكون مركز الرؤية والرؤيا موافقة أو مخالفة، فـ"ابن تيميّة" وغيره من العلماء ندرسهم ونستفيد منهم لا لنعيش في "جلابيب أفكارهم" بل لـ"نتجاوزهم" و"ننتج فكرنا" الذي يستجيب لزماننا وتحدّياته.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شيخ الإسلام بلا ريب (مطر مطر)

    الجمعة 11 آذار / مارس 2016.
    اقرأوا لشيخ الإسلام ابن تيميَّة كتبه لا عناوينها فقط ....
    وستحبوه كما أحببناه ...فالرجل علش لدينه زاهدا راغبا عن متاع الدنيا وشهرته ملأت الآفاق وقال فيه الحافظ ابن حجر- وهو شيخ الإسلام بلا ريب.
  • »مقال رائع (عمر)

    الجمعة 11 آذار / مارس 2016.
    مقال رائع تناول ابن تيمية بإنصاف وحيادية.
    صدق الكاتب فيما ذهب إليه، ولولا الفورة البترودولارية في الجزيرة العربية الوهابية لما كان لابن تيمية رحمه الله وغفر له كل هذا الصدى والضجيج.
  • »صورة جلية في زمن قلة الاقلام الصادقة (عمر الفاروق)

    الجمعة 11 آذار / مارس 2016.
    مقال جرئ ومعلومات ينبغي للمنصف تتبعها ليجد مصداقية فأل السنة عندهم من المجتهدين والمفكرين والمثقفين ما يكفيهم لينبذوا التقوقع والتعصب المذموم لدى اتباع هذا الشخص الذي كما ذكره الكاتب بتذبذبه من فن الى فن من غير ضبط ولا مراعاة للضوابط
  • »انا لا اقدس اشخاص (خلدون)

    الجمعة 11 آذار / مارس 2016.
    اراء ابن تيمية يجب ان تخضع للنقد و للمراجعة.
    انا لا اقدس اشخاص، الدين هو وحده المقدس اما اراء اشخاص كتيمية لا تهمني، لقد منحني الله عقل لافكر فيه و اعرف الصحيح من الخطأ و لا احتاج اراء شخص اخر كتيمية ليريني الطريق الصحيح من غير الصحيح، كفاكم وضع رؤوسكم بالرمل و تقديس من اساءوا للدين كثير بتطرفهم.
  • »تصحيح خطأ الكاتب (عبد الله)

    الجمعة 11 آذار / مارس 2016.
    العلماء المصنفون في اختلاف الفقهاء لم يُخرجوا المذهب الحنبلي وهذا خطأ لم يقل به أحد ..فالمذهب الحنبلي معترف به عند الجميع لكن الكاتب خلط بين شخصية الامام احمد وبين المذهب..فابن حنبل في زمانه كان مشهورا بالحديث اكثر من الفقه لذلك الامام الطبري لم يجعله في كتابه فاكتفى بابي حنيفة ومالك والشافعي لأن المذهب الحنبلي في زمان احمد لم ينضج ويقعّد ويصنف فيه..لكن اتباع احمد ومن جاء بعدهم نظموا المذهب ونشروا فقه احمد..لذا على الكاتب ان ينتبه كثيرا ولو راجع هذه المسألة في اي كتاب في تاريخ المذاهب لكان افضل من التسرع في الحكم
  • »شيخ الاسلام رغم انف الحاقدين (ناصر الصوراني)

    الجمعة 11 آذار / مارس 2016.
    اريد فقط أسرد لكم قصة ابن تيمية مع أعلى مرجعية شيعية في العالم وهوا آية الله أبو الفضل البرقعي الذي كان يسمع عن ابن تيمية أنه يتكلم عن المذهب الشيعي في كتاب اسمه منهاج السنة النبوية فقرر هذا المرجع ان يقرأ هذا الكتاب وبعد التعمق وقراءة الكتاب كاملا قال والله ان مذهب أهل السنة هوا الحق ..وسبحان الله أعلن هذا المرجع تركه لمذهب الشيعة وانار الله بصيرته ودخل في المذهب السني وتبرأ من تكفير الصحابة وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وبعدها ألف كتابه الكبير كسر الصنم ليثبت للعالم لن مذهب الشيعة ليس من الاسلام في شيء .. وقرر هذا المرجع ان يترجم كتاب منهاج السنة النبوية الفارسية .. والله الهادي إلى سواء السبيل .
  • »شيخ الاسلام ابن تيمية عالم عامل (عبد المجيد الكركي)

    الجمعة 11 آذار / مارس 2016.
    الذي قرأ كتب ابن تيمية يعرف تماما أنه سني صافي ليس مبتدع وأن غايته تعظيم الله ونبذ الشرك الذي حذرنا منه القرآن الكريم وسنة رسولنا الأمين فلم يأتي بشيء من جيبه وقد كان شيخ الإسلام مع قادة المسلمين عند كل فتنة وكانوا يستفتونهروله الفضل بعد الله بهزيمة التتار والانتصارعليهم في معركة عظيمة دارة رحاها في مدينة مرج الصفر وسمية هذه المعركة بمعركة شقحب وكان له أثر عظيم بالتحريظ على قتال التتار وكان يقاتل جنب إلى جنب مع عامة المسلمين .وكان له أثر عظيم في تنقية الكتب الإسلامية والتراث مما على به من شوائب وبدأ وخرافات . وكان له الفضل بفضح الفرق الباطنية وبين عوار هذه الفرق أنها مدسوسة على الإسلام فقد ألف كتابه الضخم لكشف زيف وخداع وحقيقة الشيعة بكتاب اسمه منهاج السنة النبوية لرد على الشيعة القدرية وله مؤلفات تكشف حقيقة اليهودية والنصرانية والفلاسفة والملاحدة والمناطقة .. وأكثر شيء ساعد بكشف حقيقة الشيعة للعالم وكتبه وتدرس في الجامعات هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .. لذلك تجد بعض من الناس يحمل أفكار خارجية او تكفيرية أو شيعية يشن حرب على هذا الإمام الكبير لكي ينفر الناس منه ولاكن من قرأ كتبه يعرف تمام من هوا ابن تيمية .... للمزيد اقرأ كتاب الإعلام العليا بمناسبة ابن تيمية . وكتاب الرد الوافر . وكتاب منهاج السنة النبوية وكتاب العقيدة الواسطية .