كيفية إنهاء الحرب في سورية

تم نشره في الجمعة 11 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً
  • دمار خلفته غارة جوية روسية في مدينة إدلب السورية -(أرشيفية)

جيفري د. ساش*

نيويورك- تشكل سورية حاليا أكبر كارثة إنسانية وأخطر واحدة من النقاط الجيوسياسية الساخنة في العالم. وقد قتل فيها أكثر من 400.000 إنسان، وتشريد عشرة ملايين من أبناء الشعب السوري.
في هذه الحرب، تقوم الجماعات الجهادية العنيفة والمدعومة من "رعاة" أجانب بنهش البلاد وتفترس الشعب بلا رحمة. وقد ارتكبت كل الأطراف المنخرطة في النزاع -نظام الرئيس بشار الأسد؛ والقوى المناهضة لنظام الأسد بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها؛ ومجموعة "الدولة الإسلامية"- وما تزال ترتكب جرائم حرب خطيرة.
وقد حان الوقت لإيجاد الحل. لكن هذا الحل يجب أن يتركز على أسس شفافة وواقعية بسبب ما خلفته الحرب منذ البداية.
كان التسلسل الزمني للأحداث في سورية على النحو الآتي: في شباط (فبراير) 2011، قامت احتجاجات سلمية في المدن الكبرى في سورية، في خضم الانتفاضات والاحتجاجات التي اجتاحت العالم العربي، والتي أطلق عليها اسم "الربيع العربي". وكان رد فعل نظام الأسد عبارة عن مزيج من القمع العنيف (إطلاق النار على المتظاهرين) وتقديم عروض للإصلاح. وسرعان ما تصاعد العنف بعد ذلك. واتهم معارضو الأسد النظام باستخدام القوة ضد المدنيين بلا توقف، في حين أشارت الحكومة إلى مقتل الجنود ورجال الشرطة كدليل على وجود جهاديين عنيفين وسط المتظاهرين.
وكما يبدو، في وقت مبكر من شهر آذار (مارس) أو نيسان (أبريل) 2011، بدأ المقاتلون والمسلحون السنيون المعادون للنظام بدخول سورية من الدول المجاورة. وتتحدث العديد من روايات شهود عيان عن الجهاديين الأجانب الذين انخرطوا في هجمات عنيفة ضد رجال الشرطة. (لكن من الصعب تأكيد مثل هذه المعلومات، خصوصاً الآن بعد حوالي خمس سنوات).
وحاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة خلع الأسد من السلطة في ربيع العام 2011، معتقدين أنه سيسقط بسرعة مثل الزعيم المصري حسني مبارك والتونسي زين العابدين بن علي. كما أكد الكثير من المراقبين أن قطر تمول بشكل كبير الأنشطة المناهضة للنظام في سورية، مستخدمة القناة الرئيسية في الدوحة "الجزيرة"، لتعزيز المشاعر المعادية للأسد في جميع أنحاء العالم، على الرغم من صعوبة تحديد دقة هذه الادعاءات بصورة نهائية.
فرضت الولايات المتحدة حصاراً شديداً على التجارة، وعقوبات مالية على النظام. ودعا معهد بروكينغز، الداعم للسياسة الرسمية للولايات المتحدة، إلى إسقاط الأسد، كما ارتفعت الدعاية المناهضة له في وسائل الإعلام الأميركية. (حتى ذلك الحين، كان الأسد يُعد في وسائل الإعلام الأميركية حاكماً جيداً نسبياً، وإن كان استبدادياً، كما أشارت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، في أواخر آذار (مارس) 2011، بأن الكثيرين في الكونغرس الأميركي ينظرون إلى الأسد كمصلح).
لكن انطلاق الحرب يعود إلى 18 آب (أغسطس) 2011، عندما أعلن الرئيس باراك أوباما وهيلاري كلينتون أن "الأسد يجب أن يرحل". وحتى ذلك الوقت، كان العنف ما يزال تحت السيطرة. وقد وصل مجموع الوفيات، بما في ذلك المدنيين والمقاتلين، إلى حوالي 2.900 (وفقاً لحصيلة أعدها معارضو النظام).
وبعد آب (أغسطس)، ارتفع معدل الوفيات بشكل كبير. ويقال أحيانا إن الولايات المتحدة لم تتصرف بقوة في هذه المرحلة. وقد قام خصوم أوباما السياسيون بمهاجمته بسبب اتخاذه إجراءات قليلة جداً. ولكن الولايات المتحدة عملت بالفعل على إسقاط الأسد، وإن كانت معظم محاولاتها سرية وعبر الحلفاء، وخاصة المملكة العربية السعودية وتركيا (على الرغم من أن أيا من البلدين لم يكن في حاجة إلى الكثير من الحث على التدخل). وقامت وكالة الاستخبارات المركزية والسعودية بتنسيق أعمالهما بسرية تامة.
بطبيعة الحال، لا يمكن للتسلسل الزمني أن يفسر الحرب. ولهذا، نحن بحاجة ماسة إلى دراسة دوافع الفاعلين الرئيسيين. أولاً وقبل كل شيء، إن الحرب في سورية هي حرب بالوكالة، وتقف على رأسها الولايات المتحدة، روسيا، السعودية، تركيا وإيران. وقد بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها، العربية السعودية وتركيا، الحرب في العام 2011 من أجل إسقاط نظام الأسد. وقوبل التحالف الأميركي بتصعيد مضاد من روسيا وإيران، والحليف المفوض من إيران -جيش حزب الله اللبناني- الذي قاتل جنباً إلى جنب مع حكومة الأسد.
كان اهتمام الولايات المتحدة بإسقاط نظام الأسد يكمن على وجه التحديد في اعتماده على الدعم الإيراني والروسي. وقد اعتقد مسؤولون أمنيون في الولايات المتحدة بأن إسقاط الأسد سوف يضعف إيران ويقوض حزب الله، ويؤدي إلى تراجع  تأثير روسيا الجيوسياسي.
ورغب حلفاء أميركا، بما في ذلك تركيا والسعودية وقطر، في استبدال النظام العلوي للأسد في سورية بنظم يقوده السنة (العلويون هم فرع من المذهب الشيعي). واعتقدوا أن هذا التغيير سيضعف منافسهم الإقليمي، إيران، وسوف يهمش نفوذ الشيعة في الشرق الأوسط بشكل عام.
وظنا منها أن إسقاط الأسد أمر سهل، اعتمدت الولايات المتحدة -وليس للمرة الأولى- على دعايتها الخاصة. وقد واجه النظام معارضة شديدة، لكنه حصل على دعم داخلي كبير. والأهم من ذلك، أن النظام يتمتع بحلفاء أقوياء، لاسيما إيران وروسيا. وكان من السذاجة بمكان الاعتقاد بأنه لن يحصل على دعم أي من هاتين الدولتين.
يجب أن يدرك الجمهور الطبيعة السيئة للحرب التي تقودها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. فقد قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بإغراق سورية بالجهاديين السنة، تماماً كما فعلت بأفغانستان في الثمانينيات مع الجهاديين السنة (المجاهدين) والذين أصبحوا فيما بعد يُدعون "تنظيم القاعدة". وقد الدول الإقليمية والولايات المتحدة بانتظام بعض الجماعات الجهادية الأكثر عنفاً، في سوء تقدير ينطوي على مفارقة، بأن هؤلاء الوكلاء سيقومون بعملهم بالعمل القذر نيابة عنهم، ثم يُنحَّون بعد ذلك جانباً بطريقة أو بأخرى.
ووفقاً لوسائل الإعلام الأميركية والأوروبية، فإن التدخل العسكري الروسي في سورية هو عمل غادر وتوسعي. لكن الحقيقة مختلفة. فلا يجوز للولايات المتحدة، بموجب ميثاق الأمم المتحدة، تنظيم التحالفات وتمويل المرتزقة وتهريب الأسلحة الثقيلة لإسقاط حكومة دولة أخرى. وكانت روسيا في هذه الحالة ترد ولا تتصرف. وكانت تجيب بذلك عن استفزازات الولايات المتحدة ضد حليفتها.
سوف يتطلب إنهاء الحرب في سورية التمسك بستة مبادئ. أولاً، توقف الولايات المتحدة عن العمل على الإطاحة بالحكومة السورية، سواء كان ذلك بالسر أو العلانية. ثانياً، يجب على مجلس الأمن للأمم المتحدة تنفيذ وقف إطلاق النار المتفاوض عليه الآن، وأن يدعو جميع الدول، بما فيها الولايات المتحدة، وروسيا، والسعودية، وتركيا، وقطر وإيران، إلى وقف تسليح وتمويل القوات العسكرية داخل سورية.
ثالثاً، ينبغي إيقاف جميع أنشطة القوى شبه العسكرية في سورية، بما في ذلك ما يسمى "المعتدلون" المدعومون من الولايات المتحدة. رابعاً، يتعين على الولايات المتحدة وروسيا، مجلس الأمن الدولي أيضاً، دعوة الحكومة السورية بشكل صارم ومسؤول إلى الكف عن الإجراءات العقابية ضد معارضي النظام. خامساً، ينبغي أن يكون الانتقال السياسي في سورية تدريجياً، مع بناء الثقة بين جميع الأطراف، وليس من خلال الطرق التعسفية والاندفاع، بما يقود إلى إقامة "انتخابات حرة".
وأخيراً، يجب الضغط على دول الخليج وتركيا وإيران من أجل التفاوض وجهاً لوجه، في إطار إقليمي من شأنه ضمان السلام الدائم. وقد عاش العرب والأتراك والإيرانيون مع بعضهم البعض بسلام لآلاف السنين. وعليهم تمهيد الطريق لنظام مستقر في المنطقة، وأن لا يتركوا ذلك للقوى الخارجية.

*أستاذ التنمية المستدامة، وأستاذ سياسة وإدارة الصحة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا. وهو مستشار خاص للأمين العام للأمم المتحدة حول أهداف الألفية التنموية. من كتبه "نهاية الفقر"، و"الثروة المشتركة"، و"عصر التنمية المستدامة".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق