حلوم يقرأ التطورات الراهنة في الإقليم وأثرها على القضية الفلسطينية

تم نشره في السبت 19 آذار / مارس 2016. 12:00 صباحاً
  • د. ربحي حلوم - (أرشيفية)

عمان - الغد - ألقى د.ربحي حلوم، مساء أمس، وضمن برنامج ملتقى الثلاثاء في رابطة الكتاب الأردنيين، بالتعاون مع مركز اعلم وتعلم، محاضرة بعنوان: "قراءة في التطورات الراهنة في الإقليم وأثرها على القضية الفلسطينية"، أدارها د.أحمد ماضي، بحضور العديد من المثقفين والمهتمين.
واستهل حلوم محاضرته باستعراض أبرز ما يشهده الإقليم من تحركات، بعضها معلن والبعض الآخر من وراء الحُجُب، على غرار دخول ترسانة القوة العسكرية الروسية الضخمة بأحدث مكنوناتها البرية والبحرية والجوية إلى الأراضي السورية، ومروراً بالزيارتين الحميمتيْن اللتين قام بهما (نتنياهو) لموسكو وحصيلة التفاهمات المتبادلة التي عقدها في الكريملين مع بوتين بما فيها التفاهمات العسكرية بين الجانبين دون حتى أدنى اهتمام من اي طرف عربي حول مضامين تلك التفاهمات وابعادها، وصولاً الى نتايج الانتخابات الإيرانية الاخيرة التي أسفرت عن فوز "روحاني" المقرب من الغرب على حساب "خامنئي" المتشدد المقرب من الروس الذي يريد السيطرة على كل سورية وليس على جزء منها، وانتهاءً بتوجيه بوتين أوامره لوزير دفاعه أخيرا بالمباشرة في سحب أجزاء كبيرة من القوات الروسية من سورية وإعادتها الى بلادها دون ان يتحقق لها اي نصر حاسم او ساحق على داعش وتفريخاتها ولا اي رغبة لها في ذلك.
وقال حلوم إن هناك سيناريو لصيف لاهب تقبل عليه المنطقة والذي يتزامن مع انقضاء قرن كامل على سايكس بيكو وحلول ذكراها المئوية، مبينا أن القطبين الطامعين الأعظمين يمهدان لخارطة شرقٍ أوسط جديد عبر توافق يقضي بانتداب هيمنتين إقليميتين ضامنتين لمصالحهما.
وأشار إلى أن ذلك يتأتى من توافق أميركي - روسي على اقتسام الكعكة الشرق أوسطية والتعتيم على القضية الفلسطينية ومحاولة الالتفاف على الانتفاضة الفلسطينية البطولية القائمة وَتَرْكها في الظل عبر التعتيم عليها بعباءة المبادرة الفرنسية الخالية من اللون والطعم والرائحة.
وبين أن هناك حرب جحيم مجنونة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة وقودها الوطن العربي ثرواتٍ وشعوباً، إضافة إلى قرب الإعلان عن دولة كردية في الشماليين العراقي والسوري امتداداً حتى خليج الاسكندرون على المتوسط كطوق (Buffer-Zone) أمني يُشكل لجاماً يحد من جموح الحصان التركي عند الحاجة، ويتصل مع آخر علوي يمتد على امتداد الساحل السوري على المتوسط، وشبه كيان هشّ منتدَب عليه في ما تبقى من وسط وجنوب سورية.
وتابع حلوم شارحا الأحداث المقبلة بالقول إنه سيصار إلى انتداب القطبين الأعظمين لهيمنتين إقليميتين (إيران) و(إسرائيل) كضامنتين لمصالح القطبين الأعظمين منتدبتان في المنطقة لمهمة ترويض شعوبها وضبط إيقاعها وتبديد ثرواتها ورسم معالمها طائفياً: الأولى منتدبة للهيمنة على سورية والعراق ولبنان والحزام الكردي اللاجم، والثانية منتدبة للهيمنة على ما تبقى من دول المنطقة، وذلك على غرار الانتدابين الفرنسي والبريطاني اللذين تُوجا بـ"سايكس- بيكو".
المعالم الواضحة لهذا السيناريو المقبل الذي يسعى "التحالف الرباعي الأميركي الروسي الإيراني الإسرائيلي" تحقيقه بالتوافق والهيمنة وتبادل المصالح، بحسب المحاضر، تشير التطورات المتلاحقة والمتسارعة إلى أن الأمور تتجه إلى أنها ستؤول في نهاية المطاف وفي المدى المنظور، الذي لن يتعدى حلول العام المقبل، إلى استنساخ كيانين جديدين هشَّين: الأول كردي سيتوج بالاعلان عن الانفصال الكامل لإقليم كردستان في شمال العراق، بحيث يَتبع ذلك الإعلان عن انشاء الدولة الكردية المستقلة الموحدة والمكونة من احزاب البرازاني والطالباني وأوجلان (احزاب الوطني والديمقراطي والعمال) تحت مسمى "دولة كردستان المستقلة" التي سوف تتمدد جغرافياً على شكل منجل يمتد من الموصل وكركوك في العراق وحتى الشمال السوري في عين العرب وصولاً الى اللاذقية التي ستكون الذراع الشمالية للدولة العلوية المتواصلة أمنياً مع الدولة الكردية.
أما الثاني، بحسب حلوم، فعلوي وفق ما ألمحَ إليه مؤخراً نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ربابكوف في قنبلته الدخانية التي فضحت ومهدت لهذه النوايا بترحيب روسيا لمقترح الدولة الفدرالية في سورية، بحيث يتوّج الأمر بإعادة إنتاج نظام الأسد، فإن لم تكن له سورية كاملة، "فدويلة علوية على الساحل السوري عاصمتها دمشق" تمتد من اللاذقية المجاورة للدولة الكردية شمالاً عند جغرافية عين العرب (كوباني) امتداداً على الساحل السوري لتكون متواصلة مع الساحل اللبناني المنتدب تحت وصاية حزب الله.
وبين حلوم أن الكيانين الجديدين يشكلان: الكردي السني والعلوي الشيعي، كفتَي توازن طائفي ضامنتين لمصالح القطبين، في ما تحظى روسيا بحصتها من الكعكة الدسمة بالحرية المطلقة في إقامة قواعد عسكرية دائمة لها على الساحل السوري.
وبحسب المحاضر فإن الحقبة الساخنة القادمة ستبين مدى إمكانية تنفيذ هذا المخطط التوافقي الكارثي للقطبين الطامعين في المنطقة، والذي يكشف بوضوح انه يهدف أولاً وأخيراً إلى: تحقيق حلم الكيان الصهيوني المحتل في تفكيك البلدان العربية المحيطة بها، وجعلها دولا ضعيفة وممزقة إلى أبعد حد.
كما يضمن المخطط للغرب بزعامة الولايات المتحدة الأميركية لمصالحه الكاملة في الشرق الأوسط، ولكن براعٍ جديد هو إيران ما بعد الاتفاق النووي بقيادة روحاني المعاد انتخابه، والتي تسعى بدورها الى محاولة السيطرة الكاملة على العراق وبقية دول الخليج العربي، وإلحاق بعضها بإمبراطوريتها، في موازاة تكريس قاعدة هيمنة الراعي الاستراتيجي (الإسرائيلي) الضامن التاريخي لتلك المصالح منذ منتصف القرن الماضي.
وبين حلوم أن المخطط الجدي، كذلك، يضمن للدب الروسي مصالحه في المنطقة بايجاد قاعدة أمامية استراتيجية متقدمة له في القلب من الخارطة الكونية مطلة على البحر الأبيض المتوسط الذي تتجمع فيه شرايين التحكم المصيري بين القارات الست، فضلا عن تعميد إيران كضامن للمصالح الروسية في ساحته الخلفية بمقايضة توافقية تحكمها التفاهمات الاستراتيجية الروسية الإسرائيلية التي تمت بين بوتين - ونتنياهو خلال لقائهما الأخير، والذي أخذ فيه بوتين على عاتقه مسؤولية حماية حقول الغاز الإسرائيلية في شرقي البحر المتوسط، وعدم التعرض للعمليات العسكرية الإسرائيلية التي تتطلبها مقتضيات أمن الدولة العبرية في المنطقة وحتى داخل سورية، وفق ما أعلنته جي بي سي نيوز التي نقلت ذلك وأكدت أن بوتين اتفق مع نتنياهو عبر الاتصالات التليفونية والرسل أن تأخذ روسيا على عاتقها مهمة تشغيل واستثمار حقل "لفيتان" الواقع على حدود المياه الإقليمية اللبنانية بمبلغ يتراوح بين 7-10 مليار دولار.
وبين حلوم أن السؤال المطروح اليوم، هو: هل يقيض لهذا السيناريو المرفوض النجاح؟ وإلى متى ستظل أمتنا متفرجة على ما يجري من تآمر ومخططات تقرر لها مصيرها وتتحكم في مصائرها وتضع لها مستقبلها في مهب الرياح وتستهدفها أمة ووطناً وتاريخاً ومقدراتٍ وثرواتٍ وهي في غفلة مما يجري؟ وهل سيُقدَّرُ النجاح لهذا السيناريو الذي تلوح معالمه جلية في الأفق المنظور وتشكل التنظيمات الإرهابية بكل تلاوينها والنظم القمعية الحاضن بعضه لها والمحرك لشرورها والمتربع بعضها الآخر على جثث شعبه والمتماهي بذبح وتهجير الملايين الآخرين من بني قومه؟
غير أن المحاضر يجيب بيقين عن استحالة تحقيق هذا السيناريو، فـ"أمة فيها مثل أؤلئك الفتية المنتفضين الذين يقاومون مخرز الاحتلال بكف الإرادة والصمود باقتدار وتضحية وإباء وآخرين من القابضين على الجمر العاضين على الجرح الحريصين على تاريخ هذه الأمة وقدسية هذا الوطن سيظلون الدرع الحصين لوأد كل مخططات الطامعين والأعداء".

التعليق