المصارف الإسلامية تحديات جادة

تم نشره في الأحد 20 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً

غسان الطالب*

يشهد العالم اليوم تغيرات اقتصادية سريعة تركت آثارها مما لا شك فيه على الأنظمة المصرفية والأسواق المالية العالمية، وحدّت من قدرتها على تقديم التمويل الضروري للقطاعات والمشاريع الاقتصادية التي هي بحاجة للتمويل، فعلى سبيل المثال ما يمكن اعتباره انهيارا لأسعار البترول ووصول سعر برميل النفط الى ما يقرب الـ30 دولارا وما تبع ذلك من تراجع لسعر صرف اليورو وتراجع النمو الاقتصادي في الصين، جميع هذه العوامل تضعنا في الصناعة المصرفية الإسلامية أمام حالة من التحدي والانتباه الى ما سيؤول اليه الاقتصاد العالمي، خاصة ونحن نشهد حالة من التوتر السياسي في بعض العلاقات الدولية وما نتج عنه من فوضى في العديد من الدول وتدمير لإمكانياتها الاقتصادية، وهذا ما أردنا الإشارة له في حديثنا هذا لندرك حجم التحدي الذي تواجهه الصناعة المصرفية الإسلامية، نحن أمام تحد حقيقي وجاد يتطلب منا الارتقاء بأداء هذا القطاع وتطوير كفاءته ليواجه أشكال التحديات كافة التي أصبحت حقيقة واقعة ولا مجال للتقليل من أهميتها أو تجاهلها، والتي إن استمرت بدون الالتفات الى متطلباته وحاجاته فإننا وبكل تأكيد سنكون في وضع يحول دون تحقيق نمو معتدل ومتوازن كنا نطمح إلى الوصول اليه، خاصة مع حالة المنافسة الشديدة مع نظيره التقليدي الذي يسعى للحد من طموحه في كسب حصة أكبر من السوق المصرفية العالمية، إضافة الى ما ذكرناه من تحديات فإننا نتطرق لبعض المؤشرات والحقائق التي لمسناها وتدق ناقوس الخطر، ولا تسهم في دعم هذه الصناعة لتكتسب القوة لمواصلة النمو والانتشار، نستعرض هنا بعضا منها:
- تراجع إصدار الصكوك الإسلامية على مستوى العالم بما يقارب 40 % منذ بداية هذا العام 2015 مقارنة بالسنوات السابقة؛ حيث لوحظ تلكؤ بعض الدول التي كانت متحمسة لمثل هذه الإصدارات، وبعضها تلكأ عندما أتيحت له الفرصة بالحصول على قروض دولية ميسرة وبأسعار فائدة متدنية.
- ما تزال هذه الصناعة تواجه العديد من التحديات يتمثل بعض منها في غياب بعض القوانين والتشريعات التي تراعي خصوصيتها وتنظم العلاقة مع البنوك المركزية بما يضمن مساهمة فاعلة وحقيقية لها في السياسات النقدية لبلدانها، ورغم النداءات المتكررة التي وجهت للبنوك المركزية في مراعاة خصوصية هذه المصارف والنظر الى النجاحات التي حققتها في خدمة اقتصادياتها الوطنية، الا أنها ما تزال تعاني من جمود في العلاقة مع البنوك المركزية في بعض بلدان تواجدها عدا بعض الاستثناءات.
- ومن التحديات المهمة التي يجب مواجهتها بدون تلكؤ هي مهمة توحيد المعايير؛ حيث ما يزال يعاني منها هذا القطاع، والتي طالبت بتوحيدها العديد من المؤتمرات واللقاءات، حتى لا يؤدي تشتت المعايير واختلافها الى حدوث تباطؤ في انتشار وتوسع هذه الصناعة ويحد من طموحها لزيادة حصتها في السوق المصرفي العالمي.
- عدم التوصل الى قناعات مع جميع الاتجاهات الفكرية بأهمية وجود سوق مالية إسلامية تختص بالمنتجات المالية الإسلامية رغم وجود مقومات كافية لقيام مثل هذه السوق ورغم الانتشار الواسع الذي شهدته المصارف الإسلامية في السنوات الأخيرة.
- محاكاة المنتجات المالية التقليدية في الوقت الذي هي بحاجة لابتكار منتجات تحمل هويتها، ففي الواقع فإن الأدوات المالية الإسلامية المتبعة وُجدت كبديل للأدوات المالية التقليدية المعتمدة على سعر الفائدة، لكن حتى تكون قادرة على تغطية أوجه التمويل كافة في الاقتصادات الوطنية، عليها عدم الاكتفاء بطرح البديل بل يجب أن تبادر إلى وضع استراتيجية للابتكار وتطوير القائم لديها، لأن السعي لكسب المزيد من السوق المصرفية العالمية يتطلب ذلك، فالاستمرار في البحث عن البديل بدون التوجه نحو الابتكار لأدوات مالية جديدة سوف يؤدي بالتأكيد الى خنق الصناعة المصرفية الإسلامية وإصابتها بنوع من الجمود، وهنا تكمن مسؤولية مراكز الأبحاث والدراسات المختصة بالتمويل الإسلامي والمنظرين لهذا القطاع، إضافة الى أصحاب القرار فيها.
من هنا ولتجنب أي انتكاسة لا سمح الله في مسيرة مؤسساتنا المالية والمصرفية الإسلامية، فلابد من مراجعة أداء هذا القطاع بشكل دوري ومستمر وتحديد جوانب القصور لديه حتى نتمكن من وضع سياسات لتطويره وتقدمه بالشكل الذي يحقق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي وُجد من أجلها، ويحافظ في الوقت نفسه على المكتسبات والمنجزات التي تم تحقيقها، ثم التقدير الموضوعي للتحديات كافة التي تواجهه.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

التعليق