من يمثّل "الإسلام"؟

تم نشره في الجمعة 25 آذار / مارس 2016. 12:00 صباحاً

د. نارت قاخون

"يُمكن لـ"الشيطان" أن يستشهد بـ"الكتاب المقدّس" لتحقيق أغراضه" (وليم شكسبير).
حين نستخدم كلمة "يمثِّل" (Represent) في جملة مثل: يمثِّل "فلانٌ" الجهة "س"، فإنّ مجموعة من القضايا الضروريّة لا بدّ أن تتحقّق، منها: أنّ "الجهة س" فوّضت هذا "الممثِّل" بـ"النطق عنها"، و"التصرّف" بمقتضى السلطة المرجعيّة لهذه الجهة حسب المهمّة التي "يمثِّلها" فيها، كما ينبغي أن تكون نسبة مقبولة يُعتدّ بها ممن ينتمون للجهة "س" قد أنابت "فلاناً" عنها ناطقاً ومتصرّفاً، وهذه "النسبة المقبولة المعتدّ بها" تختلف حسب نظام حسم الخيارات التي تتبّعه "الجهة" وتعترف به.
كما يتضمّن القول بتمثيل "فلان" للجهة "س" أن يملك المنتمون لهذه الجهة حقّ سحب "التفويض" أو رفض "أقوال فلان" وإنكار تمثيلها لهم ضمن إجراءات تحظى بالقبول من أفراد الجماعة المنتمين لهذه "الجهة". وقد ترى بعض الجهات أنّ تمثيل "س" لهم هو تمثيل "دائم أبديّ"، يمنحه "التفويض المطلق الدائم".
لو نظرنا في مكوّنات الفعل "التمثيليّ" هذه، بأصوله وفروعه، بأسئلته وإجاباته الممكنة، ثمّ نظرنا في قضيّة "مَن يمثِّل الإسلام" لوجدنا أنّها قضيّة تعاني من الخلل الجذريّ والمشكلات التأسيسيّة؛ فـ"الإسلام" من منظور أتباعه المؤمنين به هو "دين الله"، فالله هو "المؤسِّس للدين"، ولكن "الله" لا يحضر بذاته في التأسيس الدينيّ، فهو معظَّم بـ"جلال الغيبة وهيبتها"، لا يتواصل أتباع دينه معه مباشرة إلا تواصلاً باتجاه واحد كالدعاء مثلاً، ولذلك يتجلّى الحضور الإلهيّ في "الإسلام" عبر رسالته ووحيه المتمثّل بالنّص التأسيسيّ الأوّل وهو "القرآن".
ورغم اتّفاق أغلب المسلمين على أنّ "القرآن" هو أهمّ تجليّات التأسيس الإلهيّ لـ"الإسلام"، إلا أنّ فئات من المسلمين ستختلف حول أمور كثيرة لن تجعل "القرآن" وحده مظهر "السلطة الإلهيّة وإرادة الله" التي تؤسّس للدين؛ فستجد فئة ترى أنّ الاتصال بالله والتواصل معه لا ينحصران بـ"نصّ القرآن"، ولا ينقطعان بانقطاع الوحي على النبيّ الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، بل هما أمر دائم يُستعاد في كلّ مكان وزمان عبر "الكشف" و"الشهود الإلهيّ" كما عند المتصوّفة، أو بحضور "الإمام المعصوم" الذي تتجلّى به وعلى لسانه "الإرادة الإلهيّة" كما عند الشيعة الإماميّة، أو تتجلّى بنصّ القرآن المفسَّر بالأحاديث وأقوال "الأئمة المعتبرين" كما في الخبرة السُنيّة.
وبغض النّظر عن هذه الاختلافات والاتجاهات، فإنّ "الإقرار" بـ"النّص القرآنيّ" شاهداً لحضور الإرادة الإلهيّة؛ سواء كان وحده أم مع غيره، لا ينهي المشكلة؛ فالنّص القرآنيّ وبدلائل الخبرة المسلمة في تلقّيه وفهمه، لم يكن صاحب كلمة "واحدة واضحة قاطعة"، بل كان، كما كلّ الأديان التي تقوم على نصوص تأسيسيّة كبرى، يجمع بين صفتين تبدوان متضادتين، ولكنّهما ضروريتان لحركة "الدين" العابرة للزمان والمكان المحكومة بثنائيّة "الثبات والتغيير"، وهما: قدر من "الوضوح والفهم المشترك" يُمكّن أكبر قدر من النّاس المختلفين أن يزعموا أنّهم ينتمون لهذا "الدين" وأنّ "غيرهم" لا ينتمي له؛ وقدر من "الغموض وسوء الفهم والتفاهم" يُمكّن كلّ فئة أو فردٍ من الزعم أنّه "وحده" يفهم "الدين" فهماً صحيحاً.
هذه المشكلة أو الإشكاليّة التأسيسيّة تصيب سؤال "مَن يمثِّل الإسلام؟" في جذورها الكبرى. وإذا نظرنا في القضايا الأخرى، فإنّ "إشكاليّة هذا السؤال" تزداد وتتعمّق؛ فلو تجاوزنا مشكلة "الانفتاح التأويليّ" و"التعدّد الفهميّ" للنّص القرآنيّ، فإنّ الخبرة المسلمة ولاسيما السُنيّة -إن صحّ التعبير- لم تنتج "مؤسّسة دينيّة" اعتباريّة لها حضور مشخّص واضح الملامح "الخارجيّة والتراتبيّة" كما حصل في "المسيحيّة" التي جعلت "الكنيسة" مفوَّضة ونائبة وممثِّلة عن "الله" و"الكتاب المقدّس". وهنا لا أعني بأيّ شكل ما يتردّد على ألسنة كثير من "العلماء والمشايخ، المجدِّدين منهم والمحافظين" من أنّه "لا كهنوت في الإسلام"؛ فهذه "العبارة" صحيحة إذا كان مقصدها نفي "اللاهوت المشخّص في مؤسّسة لها وجود ماديّ بأشخاصها وتراتبيّتها"، ولكنها ليست صحيحة إذا كان المقصد نفي "الكهنوت المعنويّ الاعتباريّ" الذي تُحال له سلطة "التفويض الإلهيّ" أو "التوقيع عن الله"، وهذا "الكهنوت" يتجلّى بـ"منظومة الفقهاء والعلماء" الذين يُعبّر عنهم باستعارة أنّهم "المترجمون عن الله"، كما يُستعار للحكّام وولاة الأمر بأنّهم "النوّاب والمفوّضون عن الله في الأرض".
وقوع منظومة "الكهنوت" في الخبرة المسلمة السُنيّة في مستوى "السلطة الذهنيّة الاعتباريّة" لا مستوى "السلطة المشخّصة ذات الحضور الماديّ المحسوس"، كان سيفاً ذا حدّين على التجربة المسلمة؛ فمن جهة جعل هذه "السلطة" عائمة وسائلة نوعاً ما، فلم تستطع أي "مؤسّسة دينيّة" مشخّصة وظاهرة في الحيّز الواقعيّ أن تحظى بصفتها "التفويضيّة والنيابيّة" عن الله والدين؛ فلا الجامعات ولا "دور الإفتاء" ولا هيئات "كبار العلماء"، و"دور القضاء"، ولا "وزارات الأوقاف" استطاعت أن تتحوّل إلى "مرجعيّة واحديّة" متّفق عليها بين أتباع الدين الإسلاميّ. ولكنّ هذا "التعويم" وهذه "السيولة" جعلا "سؤال مَن يمثِّل الإسلام" أكثر إشكاليّة وجدليّة، حتى صار شعار كلّ "مأزق" نمرّ به، فأصبح القول: "فلان أو الجهة الفلانية" لا يمثّلون "الإسلام" يتضمن في بنيته العميقة انطلاق القائلين لهذه العبارة من تصوّر أنّهم هم مَن يمثّلون الإسلام".
والواقع أنّ "الإسلام" بكونه يقوم على "مرجعيّة نصيّة" ذات "حمولة تأويليّة متعدّدة عالية"، تتأسّس على "جلال الغياب والبعد الإلهيّ" و"انقطاع الوحيّ وختم النبوّة والرسالة" لا يُمكّن أحداً أو مذهباً أو فئة من "الزعم" أنّها تمثِّله، وكلّ ما يستطيعه أتباعه هو القول إنّهم "يمثّلون فهمهم للإسلام".
لذلك أرى أنّ الجدل الدائر هذه الأيام بين فئة تقول: "داعش لا تمثِّل الإسلام"، وفئة أخرى تقول: "داعش تمثّل الإسلام" هو جدل من ناحية التأسيس الفلسفيّ والمعرفيّ "عبثيّ" لا معنى له.
قد أتفهّم مَن يقول: "داعش لا تمثِّل الإسلام" وهو يؤمن أنّ للإسلام تمثّلات وتجليّات أحسن من تلك التي تدّعيها "داعش"، ولكن لا أتقبّل ادّعاءه الضمني "المضمر أو المعلن" أنّه "هو مَن يمثِّل الإسلام"، لأنّه لا أحد يستطيع زعم هذا الزعم لغياب جميع العناصر الضروريّة لتحقّق عمليّة "التمثيل". كما أرى أنّ قول المخالفين لـ"داعش" بأنّها لا تمثِّل الإسلام ينبغي أن يُرفع إلى مستوى "الخلاف الفلسفيّ التأصيليّ"؛ فكثير ممن يعلن مخالفته لداعش يجعل الخلاف معها في "مستوى الممارسات والتطبيقات" لا مستوى "المرجعيّات والتأصيلات"، فهؤلاء لا ينكرون على "داعش" مرجعيّاتها وأصل فهمها وتأصيل ممارساتها، بل ينكرون عليها سياق أفعالها وممارساتها، فـ"الدولة" عند كثير من مخالفي "داعش" دينيّة المرجع، تقوم على مبدأ "النيابة عن الله" لا "النيابة عن المجتمع"، و"قتلُ المخالف ديناً" ليس مرفوضاً بأصله بل مرهون بسياقات "متى؟ وأين؟ وكيف؟" لذلك يصبح هذا النوع من الخلاف مع "داعش" خلافاً شكليّاً لا جذريّاً.
وفي الجهة المقابلة نجد فئة ترفض أفعال "داعش وتأصيلاتها" رفضاً جذريّاً، ولكنّها تصرّ في الوقت نفسه على أنّ "داعش تمثِّل الإسلام"! وهذا في الحقيقة "احتيال" على "رفضهم للإسلام" بما هو "دين". وهنا لا بدّ أن يُرفع الجدال أيضاً إلى مستوى تأصيليّ فلسفيّ يطرح الأسئلة الآتية: هل "رفض الآخر والدعوة إلى قتله" و"السعي إلى التفرّد بالوجود عبر إفناء المخالفين" هو مكوّن تأسيسيّ بنيويّ في "الإسلام"؟ بل في "الأديان" عموماً؟
هل "التطرّف" و"نفي الآخر" و"احتكار الحقّ والحقيقة والصواب" مكوّنات ضروريّة عضويّة في مفهوم "الدين" و"الإسلام"؟
مَن سيجيب عن هذه الأسئلة، أين سيبحث؟ ما مظانّ إجاباته؟ إن قال "النص القرآنيّ"، فـ"النّص القرآنيّ" بما يتّسم به من "سعة دلالية" و"ممكنات تأويليّة" و"أدوات فهم وسياقات تلقٍّ" لن تمكّن هذا المجيب إلا من القول: هذا ما أفهمه من القرآن والإسلام، وليس "هذا ما يقوله "القرآن" قطعاً وحسماً"، وإن زعم خلاف ذلك.
هكذا تعود القضية قضيّة "أفهام"، ويصبح "سؤال مَن يمثِّل الإسلام" سؤال "صراع تأويلات وأفهام" يُضمر في أعماقه الصراع الحقيقيّ"، وهو "صراع المصالح"؛ فلا داعي لـ"المؤامرة ونظريّة المؤامرة" لتفسير التدافع الإنسانيّ، فيكفي أن تتلاقى المصالح وتكون محصّلة القوى في اتّجاه ما لتتحرّك الأحداث والأفهام إليه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »توضيحات (عصام)

    السبت 26 آذار / مارس 2016.
    السؤال ينطبق على اية فكرة أو عقيدة كبرى: من يمثل العلمانية؟ الديمقراطية؟ الحرية؟ المصلحة العامة؟ الصواب؟.. وهكذا. الاجابة المختصرة لسؤال المقال: الأمة ككل وليس جزءاً منها. هذا يفترض وجود قنوات تعبر بها الامة عن الاسلام الصحيح والدين القيم.