منار الرشواني

إنهاء الحرب العالمية الثالثة

تم نشره في السبت 26 آذار / مارس 2016. 01:04 صباحاً

ربما لم يبق، بين صناع القرار في دول العالم المؤثرة والمعنية، سوى الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يرفض وصف حرب الإرهاب، كما الحرب ضده، بأنها حرب عالمية ثالثة. وهو ما يبدو موقفاً متوقعاً تماماً، بل ومنطقياً من زاوية نظر الرئيس.
وتفسير ذلك ليس انخفاض التهديد الإرهابي للولايات المتحدة تحديداً، كما يصرح أوباما أو يلمح؛ لاسيما وأنه يصر في المقابل على الدور القيادي لبلاده على مستوى العالم، بما يوجب عليها أخذ مصالح الحلفاء وأمنهم، لاسيما الأوروبيين منهم على الأقل، بعين الاعتبار. التفسير الحقيقي أو الأهم لموقف أوباما يبدو في محاولته التغطية على دوره شخصياً، وتالياً إدارته، في إنتاج هذا التهديد العالمي فعلاً.
فتنظيم "داعش" تحديداً، وقد صار يمثل الرمز الأبرز ولربما الأوحد للحرب العالمية الثالثة التي تنكر الإدارة الأميركية وجودها، يظل أساساً نتاج سياسة أوباما تجاه المنطقة؛ إذ قامت على "غاية" الانسحاب من العراق (كما أفغانستان) بأي طريقة، فقط وفاء بوعد انتخابي قطعه أوباما إبان حملته الانتخابية. ولم يكن ذلك ممكناً، من وجهة نظر الرئيس -ونائبه جو بايدن الذي تولى الملف العراقي- إلا بإطلاق يد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وبالتالي يد إيران المهيمنة على حكومة بغداد، لخلق "استقرار" يوحي بإنجاز المهمة، ولو كان ذلك فقط عبر تبني إرهاب الدولة وممارسة التطهير الطائفي بحق سُنّة العراق خصوصاً. وهو ما هيأ الظروف تماماً لظهور تنظيم "داعش" واستقراره، بدلاً من استقرار العراق الدولة، بشكل حقيقي مستدام يستند إلى إصلاحات سياسية واقتصادية.
برغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تشارك في الحرب العالمية على الإرهاب، بل وتقود التحالف الدولي ضد "داعش" في العراق وسورية، إضافة إلى عمليات منفردة أو منسقة مع حلفاء في ليبيا واليمن وسواهما. فلماذا يبدو ضرورياً، إزاء هذا الواقع، الإقرار أميركياً كما عالمياً، وبشكل صريح، بأن الحرب على الإرهاب هي حرب عالمية ثالثة؟
مبعث هذه الضرورة ليس وحدة الجهود في العمليات العسكرية، بقدر ما هو استلهام الأسباب والظروف التي أدت إلى نهاية الحربين العالميتين السابقتين فعلياً.
إذ كما هو معروف، حُسمت المعارك العسكرية للحرب العالمية الأولى بوجود منتصرين يفرضون شروطهم على مهزومين مذلّين، وبما سمح بالتهيئة للحرب العالمية الثانية لا غير. ولم يكن ممكناً لأوروبا إنهاء حروبها "العالمية" نهائياً، إلا بتدشين حقبة مختلفة تماماً على الصعيد الوطني الداخلي والإقليمي ككل؛ كان عنوانها الأبرز: إشاعة قيم الديمقراطية المختلفة على امتداد بلدان القارة (غير الخاضعة للاتحاد السوفيتي)، بما في ذلك العدالة الاجتماعية؛ وكذلك بدء مرحلة تعاون إقليمي بين أعداء الأمس قبل الحلفاء، بقيت تتطور وتتعمق إلى أن اتخذت شكل الاتحاد الأوروبي مفتوح الحدود بين دوله.
باختصار، فإن إنهاء الحرب العالمية الثالثة الحالية، بشكل دائم وحقيقي، لا بد وأن يكون بإصلاحات فعلية في بلدان العالم العربي، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. وهذه لا يمكن أن تتحقق، بحكم حقائق الجغرافيا والمساحة والموارد والديمغرافيا، من دون تعاون وتكامل إقليميين، على المستوى العربي، كما بين المنطقة والجارة الأوروبية المتضررة مباشرة من أزماتنا ومآسينا. وليس بديلاً أبداً الزعم بإمكانية التعاون مع نظم مستبدة  فاسدة لخلق "استقرار ما قبل العام 2011"، فهذا "الاستقرار" وليس سواه، هو ما أوصل الجميع إلى ما نشهده الآن من إرهاب وحروب وموجات لجوء.

التعليق