صندوق تسليف النفقة.. ينصف المرأة ويحفظ كرامتها

تم نشره في الاثنين 28 آذار / مارس 2016. 01:00 صباحاً
  • يأتي قرار تفعيل صندوق تسليف النفقة، ليكون منصفا للكثير من النساء - (ارشيفية)

منى أبوحمور

عمان- يأتي قرار تفعيل صندوق تسليف النفقة، ليكون منصفا للكثير من النساء اللواتي تعرضن للكثير من الظلم، وهن يمضين ساعات طويلة في أروقة التنفيذ القضائي ينتظرن دورهن للحصول على النفقة، تاركات بيوتهن وأولادهن.
ويبدو أن المشكلة الكبيرة التي كانت تواجه نساء، تكمن في أن الأوقات الطويلة التي يقضينها في “التنفيذ”، يكتشفن بعدها في كثير من الأحيان، عدم وجود مبلغ النفقة، جراء تهرب الزوج وتحايله على الأحكام الواقعة، ولعدم قدرته على الدفع أحيانا، ما يؤثر سلبا على الزوجة والأبناء.
الأربعينة حورية تروي قصة معاناتها طوال الأعوام الماضية في تحصيل أموال نفقتها وأولادها على الرغم من حصولها على حكم بالنفقة، غير أن تهرب زوجها من الدفع أحيانا واختفاءه أحيانا أخرى، جعل معاناتها حبيسة جدران تلك المحكمة التي تحضر لها كل شهر ولكن بدون جدوى.
تقول “أحيانا أجد نفقتي ومرات عديدة لا أجد فلسا واحدا”، مبينة أن اعتمادها يصب على هذا المبلغ، لكنه يتعمد معاقبتها في كثير من الأحيان ولا يضعه، كما يعاقب أولاده معها.
ليست حورية وحدها من تعاني، فهناك العديد من النساء اللواتي تمتلئ بهن المحاكم الشرعية ودوائر التنفيذ القضائي لا يحصلن على ما لهن من النفقة.
وتشتد المعاناة أكثر عند امرأة تأتي من محافظات أخرى، ومن مناطق بعيدة لأخذ مستحقاتها لتتفاجأ وبعد التكلفة المالية التي تكبدتها في المجيء من الجهة وغيابها عن منزلها من جهة أخرى، أن الطليق لم يضع لها مبلغ النفقة ليتكرر هذا المشهد مرارا وتكرارا حتى يحن ويضع لها المال وهو ما يحدث مع الأربعينية خولة.
العديد من قصص المعاناة وملامح الأسى التي تملأ وجوه العديد من السيدات في المحاكم الشرعية كانت وحدها كفيلة للنظر في هذه الفئة وإيجاد حل جذري لصون حقوقهن وحفظ كرامتهن.
الدكتور أشرف العمري مدير مديرية الإصلاح الأسري في دائرة قاضي القضاة، يبين بدوره أن فكرة تسليف صندوق الفكرة جاءت عندما تم إعداد قانون رقم 36 في الأحوال الشخصية العام 2010، عندما وجدوا أن هناك العديد من الأحكام القضائية التي كانت ملزمة ومثبتة للحق، إلا أنها غير منفذة على أرض الواقع.
ويلفت العمري إلى العديد من النساء اللواتي لا يستطعن الحصول على النفقة بسبب سفر الزوج، سجنه أو لعدم وجود أموال ظاهرة على الرغم من امتلاكها صك النفقة، فيتعذر عليها العيش بسبب عدم امتلاكها للمال الكافي أو حتى الإنفاق على نفسها.
ورافق هذا الواقع حزمة الأمان الاجتماعي التي كانت تشمل الأرامل والمطلقات، مستثنية الزوجة المحكوم لها بالنفقة والتي تشكل إشكالية تواجه شريحة من النساء، الأمر الذي دفع الدائرة لإيجاد هذا الصندوق وتسليف الزوجة.
ويقوم الصندوق، بحسب العمري، ومن باب التسهيل والتيسير بتسليف النفقة لمستحقيها من باب التسهيل، وهي حاجة أساسية حتى لا تضطر أن يكون لديها إشكالات في حياتها اليومية.
وجاء إقرار الصندوق بعد وضع الإطار العام، وإيجاد نظام للصندوق المستقل ماليا وإداريا، لذلك بقي قيد الدراسة إلى أن صدر القرار في 26/4/2015 بالموافقة عليه من قبل مجلس الوزراء، محددا الآليات التنفيذية، إلا أن قرار الموافقة الذي جاء بعد إصدار موازنة الدولة للعام 2015 جعل قضية تمويل هذا الصندوق معلقة إلى أن تم رصد بعض المخصصات المالية في ميزانية العام 2016 حتى يبدأ يمارس مهامه.
ويشير العمري إلى أنه وبعد رصد مبلغ للصندوق تم عقد اجتماع لرئاسة الصندوق والهيئة التي تضمن وزارة المالية، وزارة التنمية، مؤسسات من المجتمع المحلي، مدير المحاكم الشرعية والذي بدوره اتخذ قرار البدء في التنفيذ والإسراع بعملية تسليف النفقة؛ حيث سيكون جاهزا لاستقبال المراجعين في أقرب فترة ممكنة.
ويلفت العمري إلى أن بإمكان أي امرأة تملك تنفيذ حكم بالنفقة من أي محكمة ولا يشترط أن تكون شرعية التوجه للصندوق بعد أخذ شروحات من المحكمة بعدم تحصيلها لنفقتها ومن ثم تأخذ نفقتها من الصندوق، في حين يقوم القائمون على هذا الصندوق بتحصيل هذه الأموال من الزوج، فضلا عن الرسوم التي سيقوم الصندوق بتحصيلها من المحاكم الشرعية وهي 3 دنانير لكل عقد زواج و3 دنانير لكل حجة طلاق، فضلا عن الأموال التي يحصلها الصندوق من التسديد وعوائد أرباح أمواله، المنح والهبات والمساعدات، والمبالغ المخصصة من الموازنة العامة للدولة.
وسيكون المقر الرئيسي للصندوق في عمان، كما أجاز النظام أن يكون له فروع مؤخرا في أنحاء المملكة كافة.
وجاءت البطاقة الممغنطة التي أوجدتها دائرة قاضي القضاة مؤخرا، ساعية من خلالها لتسهيل الإجراءات وذلك من خلالها لكل محكوم لها بدائرة التنفيذ، من خلال تقديم طلب يمكنها الحصول على رقم حساب يتم إيداع مبلغ النفقة فيه.
وجاءت هذه الخدمة سعيا من الدائرة لتخفيف الأعباء على المحكوم لهن، وذلك من خلال ورود رسالة قصيرة على الهاتف تخبرهن بإيداع مبلغ نقدي في الحساب، يمكن المرأة من الذهاب لأقرب صراف آلي تابع للبنك الإسلامي وهو البنك المعتمد للدائرة لأخذ مستحقاتها المالية.
وتعامل هذه البطاقة معاملة بطاقة الفيزا؛ حيث يمكن للمرأة سحب المبلغ كاملا أو حسب الحاجة، كما تتمكن من شراء حاجياتها من خلال هذه البطاقة أيضا.
وتم تفعيل هذه الخدمة فعليا، وفق العمري، في العاصمة عمان، وفي محافظة الزرقاء وتسعى الدائرة للعمل على تعميم هذه الفكرة على محافظات المملكة كافة، مع إمكانية اعتماد هذه البطاقة أيضا في صندوق تسليف النفقة.
الباحث والمستشار في قضايا المرأة المحامي عاكف المعايطة، يلفت إلى أن هذا الصندوق جاء نتيجة مطالبات عديدة من الجهات الناشطة والحقوقية التي تهتم بشؤون المرأة بتنفيذ قانون الأحوال الشخصية الذي أقر في العام 2010 في إيجاد صندوق النفقة.
ويشير إلى أن إقرار هذا الصندوق وتفعيله يحتاج إلى نظام خاص وآليات معينة تطلبت من دائرة قاضي القضاة الوقت لتفعيله على أرض الواقع، لاسيما وأنه صندوق خاص مرتبط بالدائرة، وخصص فقط لتسوية قضايا النفقات المحكوم فيها لدى المحاكم الشرعية.
وتقوم فكرة الصندوق، بحسب المعايطة، على أساس أن يقوم بدفع نفقات المحكوم لهن من المتزوجات، المطلقات، الأولاد وكبار السن، مؤكدا عدم دخول المهر فيها وفقط لغايات النفقة وحفظ كرامة المرأة وصون حقوقها.
وتتمكن المرأة من الاستفادة من هذا الصندوق بعدما يتبين للمحكمة صعوبة تنفيذ حكم النفقة وصعوبة تحصيل أموال النفقة بسبب سفر الزوج، حبسه أو عدم امتلاكه لأموال ظاهرة، مع تبقيه دينا في ذمة المنفق ويتم تحصيله منه وفق قانون الأموال الأميرية وتحصل منه كما تحصل تلك الأموال.
وتأتي قيمة هذا الصندوق، كما يقول المعايطة، من حيث التيسير على المرأة في الحصول على النفقة، خصوصا وأن هناك الكثير ممن يتهربون من الأحكام، ولا يقومون بدفع النفقة وتبقى المرأة بدون مال مما يضطرها للاستدانة وبيع مدخراتها وضياع أسرتها.
ويؤكد معايطة أن ديمومة هذا الصندوق والحفاظ عليه توقع المسؤولية على الجميع والحرص على تحصيل الأموال المترتبة على الشخص الواقع عليه حكم النفقة، مشددا على أنه في حال تم التأكد من وجود تحايل من الزوجين وتم تحصيل النفقة بطريقة احتيالية، فإن هذه الأموال سيتم تحصيلها مع فرض غرامات على هذه المبالغ.
ويشيد بدوره بمجموعة الإجراءات والحلول التي تتخذها دائرة قاضي القضاة للتسهيل على النساء، كإيجاد البطاقة الذكية الإلكترونية الممغنطة، التي تمكن المرأة من الحصول على نفقتها من أي صراف آلي تابعة للبنك المعتمد، بدون أن تضطر لمراجعة دائرة الأجرة والوقوف على الدور وفي النهاية ربما تكون النفقة محصلة وربما لا.
ويقول “نقدر لدائرة قاضي القضاة تفهمهم وسماعهم لكافة المطالب التي تتعلق بالإصلاح الأسري”، مؤكدا سعيها لمعالجة الوضع القائم بما يحقق كرامة للمرأة وخدمة أفضل من خلال هذه المشاريع التي تعمل على تحسس لمشاكل المجتمع ومعالجتها.
ويعمل تفعيل صندوق تسليف النفقة على تجاوز العديد من الصعوبات والإجراءات البيروقراطية التي تواجه المرأة، كتركها لبيتها وعدم وجود الأموال وعدم دفع الزوج للنفقة وانتظار الدور في المحكمة التي تشكل عبئا على كاهل المرأة وانتظار الدور في المحكمة، مجزما أن القوانين الموازية لقانون العام 2010 سهلت ورفعت المعاناة عن الكثير من النساء.
وكانت المادة 320 من قانون الأحوال الشخصية، أقرت إنشاء صندوق تسليف النفقة والذي اعتبره الناشطون مخرجا لحل مشكلة من يستحقون استيفاء النفقة.
بدوره، يلفت الاستشاري الأسري مفيد سرحان إلى أهمية بناء الأسرة على أسس صحيحة حتى تحقق الأهداف التي أرادها الله تعالى منها، تحقيق المودة والرحمة والطمأنينة.
ويتابع أن الإسلام حفظ للمرأة حقوقها، والأصل أن تؤدى هذه الحقوق من قبل الرجل عن طيب نفس بدون إجبار أو إكراه مع مراعاة الظروف الاقتصادية للجميع.
ويلفت سرحان إلى أن التغيير في الكثير من القيم الاجتماعية وضعف الوازع الديني جعلا البعض يتهرب من دفع التزاماته المالية، ما جعل الجهات التشريعية تسن القوانين التي تكفل إلزام هؤلاء الأزواج بدفع ما عليهم من مستحقات.
ويشير إلى ضرورة أن تكون النظرة في هذا الجانب فيها إنصاف لكلا الطرفين، فالنفقة في حد ذاتها ليست عقوبة للرجل وإنما هي حق للمرأة وفي المقابل فإن التيسير في دفع المستحقات فيه خدمة للطرفين.
“الأصل أن تكون خدمة المرأة والمحافظة على كرامتها وإنسانيتها مطلبا للرجل حتى بعد الطلاق”، متابعا أن القيم والأخلاق ليست مرتبطة بالزواج وإنما ممتدة حتى بعد إنهائه.
وأكد التقرير الإحصائي السنوي للعام 2014 والصادر عن دائرة قاضي القضاة في الأردن الى أن إجمالي دعاوى النفقة الخاصة بالزوجة بلغت 11815 دعوى خلال العام 2014 وبزيادة مقدارها 45 % من إجمالي دعاوى النفقة للعام 2013 والبالغة 8146 دعوى. في حين أظهرت أرقام الدائرة أن إجمالي دعاوى النفقة الخاصة بالزوجة في المملكة العام 2013 بلغت 8146 قضية وصلت قيمتها إلى 545519 الف دينار وكان متوسط الحكم بالنفقة بالمملكة 66 دينارا و968 فلسا. فيما إجمالي دعاوى النفقة الخاصة بالأولاد في المملكة خلال العام 2013 كانت 6977 قضية، وصلت قيمتها 382521 الف دينار، وكان متوسط الحكم بالمملكة 54 دينارا و826 فلسا ووفق نص النظام الذي جاء انفاذا لقانون الأحوال الشخصية المؤقت للعام 2010.

muna.abuhammour@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »استغلال هذا القانون من قبل بعض المطلقات (رياض)

    الثلاثاء 29 آذار / مارس 2016.
    بعد التحية ... فلي تجربة مريرة مع مطلقتي أشبه بعملية نصب استغلال هذا القانون ... فهل تم احتساب مثل هذه الأمور مثلا؟!