جميل النمري

نظام مكافحة الواسطة والمحسوبية

تم نشره في الاثنين 28 آذار / مارس 2016. 12:08 صباحاً

كانت المناسبة مواتية تماما أمس، ونحن نبحث في مجلس النواب مشروع قانون النزاهة ومكافحة الفساد، لوضع صيغة جدّية خاصّة بمكافحة الواسطة والمحسوبية. لكن هنا أيضا، كما في مناسبات أخرى عديدة، كان موقف المجلس محبطا، لا بل محبطا جدا.
المادة (16) من مشروع القانون تقرر ما هي الأمور التي تعد فسادا ويجرمها القانون. والبند 7 أورد ما يلي: "قبول موظفي الإدارة العامّة للواسطة والمحسوبية التي تلغي حقا أو تحق باطلا". وهو نفس النص الموجود في القانون القديم، وقد اعترضنا عليه في حينه (في المجلس السادس عشر)، وقلنا إن هذه العبارة هي من باب رفع العتب؛ فهي تعني أن الواسطة والمحسوبية مقبولتان إلا إذا كانتا من أجل تحقيق باطل، وهذه مسألة مطاطة جدا وعقيمة، وتعرف الحكومة ويعرف النواب أنها لا تعني شيئا.
قدمت مقترحا أمس بوضع نظام خاص لمكافحة الواسطة والمحسوبية، يستند الى البند آنف الذكر في القانون، يشمل توصيفا لجميع الحالات التي تعد ممارسة للواسطة والمحسوبية ويجرمها القانون. ذلك أن تدخل النائب لإحقاق حق أو منع باطل يفترض أن يأتي لاحقا للواقعة، ويجري في إطار الدور الرقابي للنواب على الإدارة. أي إذا امتنعت الإدارة عن تحقيق مطلب أو منفعة لمواطن أو موظف، أو قامت بذلك لمصلحة أحد بالتجاوز على الآخرين، يكون من حق النائب التدخل؛ أما دون ذلك مما نعرفه من ممارسة يومية تشكل ثلاثة أرباع جهد النائب ووقته، فهو آفة الحياة العامّة في الأردن ومظهر مقيم للتخلف وهدر الوقت والجهد والتجاوز على القوانين والأنظمة والتعليمات. وسيبقى مقياس تقدم البلد والمجتمع والدولة هو مدى تقلص هذه الظاهرة التي صنعت لنا سمعة رديئة في كل مكان.
العجيب أنه رغم شكوى المسؤولين والنواب والإعلام، وكل شخص في البلد، من الواسطة والمحسوبية، إلا أنه لا أحد يفعل شيئا لمواجهتهما. وعندما يتم اقتراح أي شيء جدي، مثل قانون أو نظام لتجريمهما، تجد الجميع يتهرب تحت ادعاء باطل، بأنهما ثقافة مجتمع، وتحتاجان إلى زمن طويل لتغييرهما.
لكن الزمن يمضي والظاهرة لا تتقلص بل تتوسع، رغم أنف الأنظمة والقوانين التي تقيد القرار. والحقيقة أن الأنظمة والقوانين غالبا ما تترك هامشا للمسؤول للتصرف؛ إذ يتم وضع نظام وتعليمات معينة تضبط أسس اتخاذ القرار بشأن معين، ثم في النهاية يعطى حق الاستثناء للوزير. ومن هذا المنفذ تنهال الضغوط والوساطات من أجل كل شيء. ويعرف الناس ذلك، وحين تواجههم بأن الأنظمة والتعليمات لا تسمح بأمر معين يقولون لك فورا إن للوزير صلاحية الاستثناء وإن هذا أو ذاك حصلوا عليه. والسلطة بطبيعتها تحب أن تترك لنفسها هامشا للقرار بما يتجاوز على الأنظمة والتعليمات، لكن الجميع، بمن في ذلك الوزراء أنفسهم، يصبحون ضحية هذه الصلاحية التي تفتح عليهم وعلى النواب باب جهنم المحسوبيات والواسطات.
بالنسبة لي، فإن النص كما قدمته الحكومة يعكس غياب الإرادة في مواجهة هذه الآفة. لكن المحزن أن مجلس النواب أيضا فشل في تمثيل هذه الإرادة عندما وُضع على المحك يوم أمس. فقد كان أمامنا القانون المختص بهذا الشأن، وكان أمامنا نص يجرم الواسطة والمحسوبية، لكن بطريقة ملتوية تلغي معناه. وعندما طرحت التعديل الذي يضع نصا أوضح يضع للتجريم ساقين يمشي عليهما ويفرض نظاما مفصلا لهذه الغاية، لم يجد التصويت أغلبية. ولم يبق سوى الأمل أن يلتقط مجلس الأعيان الفرصة ويصوت لصالح وجود نظام مفصل، يضعنا أخيرا على الطريق الجادة لمكافحة الواسطة والمحسوبية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"القانون" (يوسف صافي)

    الاثنين 28 آذار / مارس 2016.
    السؤال الذي يطرح نفسه هل هناك خلل في القانون وتفسيره الذي ينظم قواعد التعيين ومراقبة شخوصه من كافة متطلباته ومخرجاته؟؟ ولايعقل ان نفتح باب التشريع لقوانين كل مفردة وسلوك ؟؟ناهيك ان ابجديات القانون هي المعالجة ؟؟ مايستشف من توالد الهيئات والمسميات ناتج عن عدم تطبيق القانون وهل يعقل ان يتم المعالجة بتشخيص كل مفردة وتشكيل جهاز اداري خاص بها؟ وما كلفة ذلك جهدا ووقتا ؟؟" والحلال بيّن والحرام بيّن وبينهم امور مشتبهات لايعلمها كثير من الناس" ؟ ولا يغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بانفسهم"