لماذا من الخطأ الحديث عن فشل الانتفاضات العربية؟

تم نشره في الأحد 3 نيسان / أبريل 2016. 11:00 مـساءً
  • مصريون يلوحون بالأعلام الوطنية بميدان التحرير في العام 2014 – (أرشيفية)

مارك لينش* - (الواشنطن بوست) 28/3/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تقول الفكرة السائدة إن الانتفاضات العربية التي بدأت في تونس في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2010 فشلت. ومن الصعب المجادلة في مثل هذا الحكم القاسي. فقد تمكنت معظم الأنظمة العربية من النجاة والبقاء أمام التحديات التي واجهتها من شعوبها من خلال استخدام مزيج من الاحتواء، والإكراه، وإجراء بعض الإصلاحات المتواضعة. وقد انتهى المطاف بالانتقالة المصرية إلى نظام عسكري أكثر قسوة من سابقه. وانهارت كل من اليمن وليبيا وذهبت إلى فشل الدولة والوقوع في الحروب ذات النطاق الإقليمي، في حين انحدرت سورية إلى حرب مروعة أيضاً.
لكن وصف الانتفاضات العربية بالفشل ببساطة لا يعكس تماماً كم حوّلت هذه الانتفاضات كل واحد من الأبعاد السياسية في المنطقة. فقد أصبح استبداديو اليوم أكثر قمعاً، لكنهم أصبحوا أقل استقراراً، وأكثر خوفاً، وأقل قدرة باطراد على إدامة هيمنتهم. ومع انهيار أسعار النفط وتصاعد مشاعر السخط الشعبية مرة أخرى، من الواضح أن التحدي الجيلي للانتفاضة العربية ما يزال مستمراً في التكشف. ولا يشكل معيار "النجاح أو الفشل" طريقة مناسبة ومفيدة لفهم العمليات الاجتماعية والسياسية الجارية الآن في المنطقة.
بدلاً من النتائج المبنية على الثنائيات المتعارضة، شرع العلماء السياسيون في إجراء فحص أكثر قرباً للأشكال والأنماط السياسية التي ولَّدتها الانتفاضات العربية. وقبل أشهر قليلة، عقد "مشروع العلوم السياسية للشرق الأوسط" حلقة نقاشية افتراضية، والتي تناول فيها 30 عالماً سياسياً كيف أثرت فوضى السنوات الخمس الماضية على السياسات العربية. وتعرض المقالات التي أعدوها منظوراً متنوعاً وبدرجات اختلاف دقيقة لما تغير وما لم يتغير في المنطقة منذ العام 2011 -وتؤشر على العديد من التحديات المقبلة.
ويمكن تناول السياسات الجديدة التي أنجبتها الانتفاضة العربية على مستويات متعددة من التحليل، بما في ذلك العلاقات الإقليمية والدولية؛ والأنظمة؛ والدول؛ والأفكار.
العلاقات الإقليمية والدولية
تجلت انتفاضات العام 2011 كحدَث عابر للحدود تماماً، مع خلق تحديات متزامنة لمعظم حكومات المنطقة. وكانت ردود الفعل اللاحقة إقليمية بالكامل أيضاً. ويتعقب كتابي "الحروب العربية الجديدة" الذي سيُنشر في غضون أسابيع، بالإضافة إلى ندوة أخيرة عقدها مشروع العلوم السياسية للشرق الأوسط، تلك الأبعاد التي شكلتها ردود الفعل على الانتفاضة العربية في العلاقات الدولية.
تسببت الإطاحة بقادة مصر وتونس برعب هائل للأنظمة العربية التي كانت تظن أنها لا تقهر، في حين فتحت أبواباً جديدة أيضاً أمام ظهور سياسات إقليمية جديدة. وقد أفضى الخلاف بين هذه الأنظمة وبين واشنطن حول تحول مصر والحرب السورية (إلى جانب اتفاق إيران النووي) إلى خلق أزمة عامة كثيفة بطريقة غير عادية في بنية التحالف التقليدي للولايات المتحدة.
تغيَّر ميزان القوى في داخل المنطقة إلى حد كبير. وتسببت الاضطرابات التي شهدتها البلدان العربية إلى حد كبير في إزالة قوى إقليمية تقليدية، مثل مصر والعراق وسورية، كفاعلين مهمين. ويبدو أن مسائل الحجم والسكان والموقف التاريخي أصبحت الآن أقل أهمية لممارسة النفوذ الإقليمي مما تفعل الثروة، والاستقرار المحلي، وإمبراطوريات الإعلام، والشبكات العابرة للحدود الوطنية، وامتلاك الأسلحة المتطورة.
وقد استفادت دول في الخليج، مثل العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، من الانتفاضات لتنخرط في أشكال غير مسبوقة من التدخلات في كل أنحاء المنطقة. وتلقت الأنظمة في مدار النفوذ السعودي، مثل الملَكيات الأخرى في المنطقة ودول مجلس التعاون الخليجي، مساعدات كبيرة من أجل تحصين أنفسها ضد منافسيها الشعبيين. وصبت أنظمة الخليج الموارد على منافسين لأنظمة أخرى خارج ذلك النظام الإقليمي، مثل أولئك في ليبيا وسورية، على نحو قوى موقفهم في الصراعات السياسية، ثم العسكرية. وتلقت القوى المناهضة للإسلاميين في الدول التي تمر بمرحلة انتقال، مثل مصر وتونس، دعماً من السعودية والإمارات، بينما تلقى الإسلاميون الدعم من قطر وتركيا. وأصبحت سورية موقعاً مركزياً لحرب إقليمية بالوكالة، والتي لم تقتصر المشاركة فيها على القوى العربية فقط، وإنما ضمت إيران وتركيا أيضاً.
وغيرت هذه التدخلات والحروب بالوكالة بوضوح ديناميات العلاقات الإقليمية والدولية، غالباً بطرق مدمرة وهدامة.
الأنظمة والنظم السياسية
من بين كل الدول العربية التي شهدت احتجاجات واسعة في الأشهر القليلة الأولى من العام 2011، نجحت تونس -ولو جزئياً- في تكريس تحول ديمقراطي يمكن الحديث عنه. وتشكل مصر حالة نموذجية للفشل. فقد انتهت آمال ميدان التحرير والانتخابات الرئاسية التي أقيمت في شهر حزيران (يونيو) 2012 بالانقلاب العسكري في 3 تموز (يوليو) 2013. كما انهارت التحوُّلات المدارة في ليبيا واليمن، وتم سحق انتفاضة البحرين بالقوة. لكن هذا لا يعني أن أياً من هذه الأنظمة واصلت عملها كالمعتاد ببساطة. وأصبحت الأنظمة الاستبدادية التي تحتفظ حالياً بالسلطة في معظمها أقل شمولية وأكثر قمعاً.
تبقى تونس قصة النجاح الجزئي الوحيدة. فعن طريق تجنب أخطاء مصر القاتلة، تمكن التونسيون من إيجاد تسوية سياسية، وقاموا بصياغة دستور جديد، وتناوبوا السلطة سلمياً من خلال الانتخابات. وما يزال نجاح الانتقال في تونس جزئياً جداً بطبيعة الحال. وقد دمرت الهجمات الإرهابية المتكررة اقتصاد البلد الضعيف مسبقاً، وخيبة الأمل من القيادة السياسية في تصاعد مستمر. ومع ذلك، ومع كل الإحباط وعودة ساسة النظام القديم إلى السلطة، فإنه سيكون من الخطأ القول بأن شيئاً لم يتغير. فهناك مجموعة جديدة ومتنوعة وغنية من الممارسات السياسية التي تستمر في تطوير فرص جديدة. وقد شرع مبدأ إقامة انتخابات ذات معنى في الترسخ. كما أن المؤسسات، من نقابات العمال إلى الجيش، شهدت تغيرات عميقة بسبب البيئة السياسية الجديدة.
لم يكن فشل التحول المصري حتمياً، كما يرى الباحثون. وتشرح أوراق عدد منهم كيف أن مزيجاً سُميّاً من الخوف وعدم اليقين تدخل ضدَّ ترسيخ الديمقراطية. وقد صنع الجيش والشرطة وجماعة الإخوان المسلمين والطبقة السياسية خياراتهم تحت هذه الظروف الصعبة التي عملت بشكل جمعي على إخراج عملية الانتقال عن مسارها. وعلى الرغم من الاعتقاد المتحمس لدى العديد من المصريين بأن هذا الانقلاب سوف يستعيد الديمقراطية ولا ينهيها، فإن نتيجته برهنت في كل جزء منها أنها قمعية بالقدر الذي توقعه علماء السياسة. وقد فشلت مصر بالتأكيد في تعزيز تحول ديمقراطي، لكن سياساتها تحولت جذرياً بنفس المقدار أيضاً بسبب الاضطرابات التي شهدتها في السنوات الخمس الماضية. ومع ذلك، ينبغي أن لا ينخدع أحد بفكرة عودة مصر إلى ممارسات وأشكال وشخصيات حقبة مبارك. إن مصر عبد الفتاح السيسي هي أكثر قمعاً وعنفاً، وأقل مؤسسية، وأكثر معاناة مع التحديات الاقتصادية، وتعاني قدراً أكبر من الاعتمادية دولياً. وليس هذا وصفاً لنظام مستقر بكل تأكيد.
بينما تستأثر مصر وتونس بمعظم الاهتمام، فإنه لم ينجُ أي نظام عربي من الانتفاضة. وقد تمكنت بعض الملَكيات في المنطقة من صرف المنافسين من دون صرف الأنماط الكامنة للسلطة بشكل كبير. وقدمت المغرب إصلاحات دستورية وسمحت بانتخاب حكومة يقودها إسلاميون، لكن ذلك لم ينتج مصداقية سياسية حقيقية. وعلى الرغم من إحباطهم، ما يزال النشطاء المغاربة الشباب يعثرون على أشكال جديدة للتحدي. ونجت البحرين عن طريق استخدام أشكال شرسة للغاية من القمع الطائفي، مع ترتيب كلف بعيدة المدى على استراتيجية النظام الحاكم.
وحتى الدول التي كان يُعتقد في البداية أنها نجت من احتجاجات الانتفاضة العربية، تأثرت في حقيقة الأمر. لم تستطع الإصلاحات الدستورية في الجزائر إخفاء حقيقة الحكم الذي يمارس من الأعلى إلى أسفل والجمود السياسي القائم في البلد. كما أن السياسة الفلسطينية تعطلت أيضاً. وكشفت احتجاجات لبنان عن أمل ناشطيه المتواصل بالعثور على طريقة ما لتحدي النظام السياسي الراكد في بلدهم. واختبرت كل من قطر والسعودية رحلة ملاحة في إجراء تحوُّلات ملَكية، مع تداعيات مهمة على سياساتهما المحلية والإقليمية. وفي العام 2012، تقاطعت الاحتجاجات السنية في العراق بطرق مدمرة مع طائفية نظام رئيس الوزراء نوري المالكي والحرب في سورية، ممن أدى إلى إنتاج الظروف التي هيأت لإعادة انبعاث تنظيم "الدولة الإسلامية".
وهكذا، لا تؤشر عودة انبعاث الدولة الأمنية العربية على عودة إلى الطرق القديمة، وإنما على تغير في صفقات الحكم وعلى نجاة وبقاء استراتيجيات هذه الأنظمة المحاصرة.
الدول
إذا كانت الأنظمة التي نجت من الانتفاضات العربية قد طورت أشكالاً جديدة من السياسات، فإن العديد من الدول فشلت إلى حد هائل. وقد أفضت التحولات الكارثية المدارة خارجياً في كل من ليبيا واليمن إلى فشل الدولة، واستدعاء التدخلات الإقليمية الهائلة، ووجود العديد من الحكومات المتنافسة. وأفضى انحدار الانتفاضة في سورية إلى حرب وحشية ومدوَّلة تماماً إلى تمزيق الدولة في المستقبل المنظور. وترك فشل هذه الدول جيوباً عميقة من الفضاءات غير المحكومة أو المُتنازع عليها، بينما دفع عدة ملايين من الناس إلى الخروج من ديارهم. وقد نحتت القوى الكردية كياناتها السياسية الخاصة بحكم الأمر الواقع، بينما تتشبث ما تدعى "الدولة الإسلامية" بعناد بما تبقى من مناطقها التي تمتد عبر الحدود السورية العراقية.
ليس لدى هذه الدول وسكانها المعذبين أي أفق جدّي لقدوم حكم مستقر أو سلمي في المدى القريب. ومن غير الواضح عند هذه النقطة ما إذا كانت سورية والعراق وليبيا واليمن ما تزال موجودة من الأساس كدول ذات سيادة. أو كيف سيؤثر تحللها على السياسات الإقليمية في المدى البعيد.
الهويات والأفكار
أخيراً، جرت تحولات ملموسة مع الانتفاضة العربية أيضاً في مجال الهويات والأفكار. ولم يكن أكثر وضوحاً في أي وقت سابق حقيقة أن الفكرة المحفزة الوحيدة لمعظم الأنظمة العربية هي الحفاظ على بقائها الخاص في السلطة. لكن نفس انكشاف هذه الغريزة العارية للتمسك بالبقاء أمام المجال العربي العام المعبأ بشكل غير مسبوق كان كبيراً جداً. وكان فشل الانتفاضات العربية درساً سياسياً مؤلماً لجيل موهوب للغاية من الناشطين والمفكرين والرواد. وكذلك كان أيضاً فشل جماعة الإخوان المسلمين في الحكم، والناتج القاسي للانقلاب المصري الذي كان الكثيرون من هؤلاء الناشطين والمفكرين قد دعموه.
كل هذا شرع في فتح الطريق أمام تفكير سياسي جديد وتشكل جديد للشبكات التي ما يزال معظمها حتى الآن بعيداً عن شاشة الرادار العام. وكان هناك القليل من الإجابات عن التطلعات الشعبية إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي كانت قد حفزت الانتفاضات. وما تزال الديمقراطية طموحاً حاسماً، على الرغم من خيبات الأمل الهائلة. ويقول باحثون إن المفكرين السياسيين العرب يشرعون الآن في مراجعة المفاهيم من نوع التحديث والديمقراطية.
ولكن، مع كل ذلك، تهيمن قوى أكثر سلبية وشؤماً الآن على الخطاب العام العربي. فقد غرست الطائفية لها جذوراً عميقة؛ وتورط الإعلام المصري في القومية المؤيدة للنظام والكارهة للأجانب؛ وتحولت السياسات الإسلامية في اتجاه أطراف النقيض، مدفوعة بالانقلاب العسكري في مصر، والقمع الذي تعرضت له جماعة الإخوان، والجهاد السوري، وصعود تنظيم "الدولة الإسلامية". ومن المرجح أن تستمر هذه الأفكار والهويات الخبيثة بالازدهار في غياب بدائل سياسية قابلة للحياة. ومن المرجح أيضاً أن تثبت الفكرة الشائعة حالياً، والقائلة إن استعادة الأوتوقراطية العربية (حكم الفرد المطلق) يمكن أن توفر ترياقاً ضد التطرفية، أنها مضللة اليوم كما كان حالها على مدى نصف القرن الماضي.
بعد خمس سنوات من بدء الانتفاضة العربية، لم يعد يكفي بعد الآن تصنيف الحالات كنجاحات وإخفاقات. فقد اتخذت أنظمة سياسية جديدة شكلاً، ويجب أن تفهم ضمن سياقاتها وشروطها الخاصة. وأصبحت السلطة تتدفق الآن عبر المؤسسات والشبكات المختلفة. كما تطورت تحالفات وهويات وأفكار سياسية إقليمية جديدة. وتبين الأطروحات والأبحاث السياسية التي قُدمت في ندوة "خمس سنوات بعد الانتفاضة العربية" كيف يشرع علماء السياسة في التعامل مع هذه السياسات الجديدة وفق شروطها الخاصة.

*أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن؛ حيث يدير مشروعا في العلوم السياسية للشرق الأوسط. وهو أيضاً زميل رفيع غير مقيم في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Why it’s wrong to say that the Arab uprisings failed

[email protected]

التعليق