تنسيق وتنفيذ السياسات الاقتصادية في الأردن: تطوير المشاريع الصغيرة نموذجا

تم نشره في الاثنين 4 نيسان / أبريل 2016. 12:00 صباحاً

بقلم: د.جمال الحمصي*

عمان- حسب آخر تعداد رسمي للمشاريع الاقتصادية في المملكة، يضم الاقتصاد الأردني نحو 157 ألف منشأة خاصة في كافة القطاعات الاقتصادية ومن مختلف الأحجام. وتساهم المشاريع الصغيرة والمتوسطة (التي يقل عدد العاملين فيها عن 100 عامل) بحصة تساوي 99.6% من إجمالي أعداد منشآت الاعمال في الاقتصاد الوطني.
من هذه الحقيقة الاحصائية، يتبين أن قطاع المشاريع الأردنية الصغيرة والمتوسطة من منظور واقعي يماثل تقريباً "القطاع الخاص" في الاقتصاد الاردني، على الأقل من حيث أعداد المنشآت. وتطوير دور القطاع الخاص في مستقبل وديناميكية الاقتصاد الأردني يعني ببساطة تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة في هذا الاقتصاد.
ومن حيث المساهمة في التشغيل والإنتاج، يوفر قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة نحو 46 % من اجمالي التوظيف في المملكة ونسبة أقل من الناتج المحلي الاجمالي، وهي نسب يمكن تحسينها، وتظهر الحاجة مجدداً إلى تطوير حيوية وتنافسية هذا القطاع، في ضوء قيد الموازنة العامة والحاجة الى تخفيف حجم القطاع العام عموماً وفاتورة الرواتب والتقاعد الحكومي على وجه الخصوص.
السؤال الأساسي هو ما أفضل السبل لتطوير قطاع المشاريع الاردنية الصغيرة والمتوسطة في الاردن، وهل هنالك من "خارطة طريق" تضمن فرصة أكبر لنجاح هذا المسعى؟
البعض يتحدث عن أهمية صياغة استراتيجية وطنية لهذا القطاع، وهو مقترح منجز وقائم منذ عامين، لكنه ينتظر آلية التنفيذ السريع والفعال. والبعض الآخر يؤكد على ضرورة الاتفاق وتبني تعريف وطني مناسب ومجمع عليه لمفهوم "المشاريع الصغيرة والمتوسطة"، وهو اقتراح مهم لم يتحقق حتى الآن.
وهناك من يرى أهمية اصدار قانون لتطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة يدعم وينسق السياسات والمبادرات والجهود المبعثرة وهذا اقتراح وجيه، لكن يتطلب الاتفاق على "بديل تنظيمي" فعال لتوحيد وتنسيق جهود الوزارات والمؤسسات المعنية بتطوير المشاريع الصغيرة، كتلك المعنية ببيئة الأعمال والاستثمار والتنافسية والحوافز المالية والنقدية.
وهنا لابد من الادعاء بأن تطوير قطاع المشاريع الاردنية الصغيرة والمتوسطة يستلزم قبل كل شيء تحسين الحوكمة أو الادارة الاقتصادية ككل. هذا الادعاء ينطلق من المتطابقة التالية: ادارة قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة = ادارة الاقتصاد الأردني في قطاعه الخاص.
وقد أثبتت التجارب أن سلطة تنسيق السياسات ومتابعة تنفيذها يندر ان يتم اجراؤها بفعالية من قبل وزارة عادية (للتخطيط مثلاً) أو من باب أولى مؤسسة على مستوى أقل (لتطوير المشاريع).
فالمؤسسة الأردنية لتطوير المشاريع الاقتصادية هي جهاز تنفيذي ولا تستطيع التأثير بصورة ملموسة في سهولة بيئة الأعمال ككل أو مخصصات الإنفاق الحكومي أو مواقف السياسة النقدية والمصرفية تجاه الائتمان الموجه وكلفته مثلاً، أو سياسات إدارة الموارد البشرية أو استراتيجية التنافسية الوطنية أو الحوافز الضريبية والاستثمارية المشروطة بالنتائج والممنوحة للمشاريع. والحل هو في تفويض هذه المهمة الأساسية لسلطة أعلى.
ومع أنه من الممكن التبسيط والقول، كما أوصت الوثيقة الرسمية الأحدث "الإستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال ونمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الأردن" (2013) بإنشاء "مجلس أعلى لريادة الأعمال وللمشاريع الصغيرة والمتوسطة"، فإن التجارب الوطنية الماضية لا تظهر أي ابداع مؤسسي في هذا المقترح، ولا الخيارات البديلة المتاحة. كما أنه لا يضمن النتائج الوطنية المأمولة في حالة تفاوت وتباين التوجهات المؤسسية. اذ يلاحظ أن السياستين المالية والنقدية تهيمن تاريخياً على أجندة الأولويات والسياسات الاقتصادية.
فقبل تشكيل مجلس اقتصادي أعلى جديد للمشاريع الصغيرة في الاردن، ينبغي اجراء تقييم شامل لتجربة المجالس العليا المتعددة، سواء أكانت مجالس قطاعية (زراعة، سياحة، صحة، تعليم عالي، لا يوجد للصناعة؟..) أم مجالس افقية (الاستثمار، التنافسية، السكان، الموارد البشرية، الشراكة بين القطاع العام والخاص، ..)، وتحديداً تقييم قدرتها الفعلية على التنسيق بين الوزارات والوحدات الحكومية المستقلة ومنظمات القطاع الخاص واتخاذ القرار التنموي وتنفيذه، وبالتالي تحقيق النتائج التنموية المتوخاة.     
بداية، لا أريد الوقوف طويلاً على تجربة "الهيئة التنسيقية للتكافل الاجتماعي" التي هدفت إلى متابعة وتنسيق جهود وبرامج المؤسسات العاملة في مجال التكافل الاجتماعي وانتهت بالغاء هذه الهيئة. المسألة الجوهرية أن هنالك العديد من المجالس التنسيقية العليا القائمة التي ينبغي ان تنسق فيما بينها وتتعاون لانجاز مهمة تطوير المشاريع الصغيرة، من أبرزها: مجلس الاستثمار والمجلس الوطني للتنافسية والمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا والمجلس الأعلى للموارد البشرية. فتطوير المشاريع الصغيرة (تنمية القطاع الخاص) له ارتباط وثيق بسياسات تشجيع استثمار القطاع الخاص، كما له ارتباط قوي بسياسات التنافسية والانتاجية الوطنية والقطاعية، وبسياسات العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وهكذا. بعبارة أخرى، يتطلب الأمر مجلس أعلى للمجالس العليا أعلاه.
ولكن ما البدائل التنظيمية المتاحة غير الاشراف على أو/و دمج العديد من المجالس العليا القائمة، خصوصاً في التحديات العابرة للقطاعات والوزارات؟
بعض الدول مثل كوريا وسنغافورة واليابان وفرنسا لجأت في مراحل تنموية مختلفة الى تبني خيار "الأجهزة القيادية" أو "الوزارة الريادية Super Ministry"، وهي نموذج لقيادة الوزارات الاقتصادية، يرأس هذه الوزارة شخص برتبة أعلى من وزير، عادة برتبة نائب رئيس وزراء (للشؤون الاقتصادية).
ويمكن أن تقوم هذه الوزارة أو الهيئة بالتنسيق مع القطاع الخاص لتأمين شراكة القطاع الخاص ومساهمته التنموية. كما يفضل أن ترتبط "الموازنة العامة" بهذه الوزارة أو الهيئة بصورة مباشرة، للجمع والتنسيق بين وظيفة التخطيط التنموي ووظيفة التمويل، مع الالتزام بنموذج الموازنة الموجهة بالنتائج في ادارة الموازنة العامة.
وبتفحص الخيارين أعلاه، وبدلاً من تبني أحدهما دون الآخر، يمكن الجمع بينهما من خلال: تأسيس مجلس اقتصادي أعلى أو "مجلس وطني للتنمية وتنسيق السياسات" وفقاً لقانون، برئاسة رئيس الوزراء، وبمساندة تنفيذية من قبل وزارة التخطيط بعد تحويلها بقانون إلى "وزارة قيادية" يرأسها مسؤول برتبة نائب رئيس الوزراء ويفضل تحويل اسمها الى وزارة الاقتصاد الوطني.
هذا المجلس الأعلى متوقع منه تحديد الاتجاهات الاستراتيجية وتوحيد وتنفيذ مواقف الفريق الاقتصادي للمملكة في مختلف ملفاته، وبالشراكة مع القطاع الخاص، ليس فقط في موضوع تطوير المشاريع الصغيرة، لكن في مختلف التحديات متعددة الوزارات وذات الطبيعة الافقية وطويلة الأجل، كتصميم السياسة الاقتصادية العامة، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز التنافسية العالمية، وتطوير التعليم العالي، ومكافحة الفقر والبطالة، وحوكمة الأسواق، وما شابه من مبادرات واستراتيجيات وأولويات وطنية حددتها رؤية الأردن 2025 وغيرها من الاستراتيجيات القطاعية ولا زالت تنتظر النتائج المتوخاة.
وهذا المجلس متوقع منه أن يحقق الشراكة بين القطاع العام والقطاع العام، وبين القطاع العام والقطاع الخاص، ويحدد الأولويات الوطنية المرحلية على الصعيد التنموي، ويقود المسيرة الاقتصادية في البلاد بصورة أكثر حساسية للتحديات المتراكمة، بما فيها التباطؤ الحاد في النمو (2.4 % فقط في العام 2015) والتراجع الملموس في متوسط دخل الفرد (بسبب الصدمة السكانية) وضعف معدلات التوظيف في ظل بيئة اقليمية متحولة وغير مواتية.

* شركة بصائر العالمية للاستشارات

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تطوير المشاريع الصغيرة (ماجد العواملة)

    الأربعاء 6 نيسان / أبريل 2016.
    مقال جميل جدا مبني على تحليل في الصميم
    وبالفعل كما أشار الكاتب

    ادارة قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة = ادارة الاقتصاد الأردني في قطاعه الخاص.