د.باسم الطويسي

ما هي الوظيفة الجديدة-القديمة للدولة؟

تم نشره في الاثنين 4 نيسان / أبريل 2016. 12:06 صباحاً

العلاقة بين الطريقة التي يُنتج بها المجتمع ثرواته والطريقة التي يحكم به نفسه، هي التي تحدد حجم التحولات التي شهدتها وظائف الدولة في آخر ثلاثة عقود. ما يقودنا بالمناسبة إلى الطريقة التي تعيد الدولة الأردنية التكيف من خلالها مع ما يشهده المجتمع الأردني من تحولات عميقة، سواء في بنيته الديمغرافية أو في خصائصه الاقتصادية والثقافية؛ أي الطريقة التي تعيد النخب السياسية الأردنية التفكير بها في إعادة صياغة أدوار الدولة وظائفها.
منذ مطلع التسعينيات، ازدادت الأطروحات الفلسفية والأكاديمية التي تتناول الوظائف الجديدة للدولة المعاصرة، مقابل تحلل وموت وظائف تقليدية، في ضوء التحولات العميقة في الاقتصاد والعولمة والنظام الدولي وغيرها. لكن لا أحد ينكر أننا ما نزال ندور حول محور من ثلاثة أدوار، هي الوظيفة الأمنية؛ والوظيفية القانونية، أي سن القانون وإنفاذه؛ والوظيفة الثقافية. وما نريد الوصول إليه أن الوظيفة الثالثة هي التي تعطي للدولة صورتها أمام مجتمعها وأمام العالم، ومن خلالها تحديد الطريقة التي يعيش بها الناس ويشكلون هويتهم وفهمهم للتاريخ والآخر والحياة.
الأمن الإنساني الشامل هو الوظيفة المركزية للدولة بمؤسساتها كافة. وحينما تبدأ مؤشرات الإحباط الاجتماعي تتسلل، نكون بحاجة إلى مراجعة على مستويين: الأول، مستوى العقل الكلي للدولة؛ والآخر، مستوى كل مؤسسة وقطاع على حدة. وفي صلب كل مراجعة تتقاطع الوظيفة الثقافية التي تعني كيف يعيش الناس مع كل الوظائف الأخرى.
الوظيفة الثقافية للدولة التي تعبر في إحدى تجلياتها عن الثقافة الديمقراطية المتصالحة مع ذاتها، ومع التاريخ والمجتمع، تُعد مطلبا إصلاحيا لا يقل أهمية عن تشريعات الإصلاح السياسي، كما لا يقل أهمية عن إجراء انتخابات نزيهة. ولدينا شواهد يومية في المحيط العربي. وعلينا أن لا ندفن الرؤوس في الرمال؛ فالأزمة المجتمعية التي تواجهها مجتمعات "الربيع العربي"، بعدم القدرة على استيعاب التحولات الديمقراطية، والتكيف الصعب والمؤلم مع الممارسات السياسية الجديدة، كما يحدث في جوارنا، ليست قابلة للتصدير، بل هي متأصلة في الثقافات المحلية للمجتمعات العربية، وكل منها يعبر بطريقته عن هذه الأزمة.
المدخل الأمني التقليدي ما يزال هو النافذة التي ترى من خلالها الدولة العربية عموما نفسها، وتطل عبرها على المجتمع، حينما تريد الرد على الاختلالات العامة، أو حينما تدرك أن مصادر تلك الاختلالات تكمن جذورها داخل المؤسسات. ومن الملاحظ، وهو ما يشكل مفارقة، أن أكثر المؤسسات قدرة على الاستجابة للإصلاح الذاتي، وأكثرها حيوية في التعديل والتبديل والتطور الاحترافي، وفي الإحلال، هي المؤسسات الأمنية التقليدية.
وفيما تغيب معايير شاملة للأمن الإنساني، تسترخي باقي مؤسسات الدولة والمجتمع، وتبدو في عزلة عما يجري للناس؛ وتتنازل عن مسؤولياتها وواجباتها الفعلية في حماية العدل والأمن، وهما أساس العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها الذي تتحمل مسؤوليته كل المؤسسات. وهي مهمة أكبر من الشرطة والدرك، ومن الظلم أن تترك لهما وحدهما.
متى يُحبَط الناس ويلجأون إلى وسائل غير شرعية لتحقيق مصالحهم، ومتى يجد الناس أن هناك تطبيعا مبطنا مع تلك الوسائل غير الشرعية، ينمو الاحتقان الاجتماعي، وتبرز النزعات العصبية وموجات العنف وأنماط الاحتجاج، أي الطريقة التي يعيش فيها الناس ويعبرون عن مصالحهم من خلالها.
ثمة موارد أخرى للقوة السياسية للدول. فهذه القوة لا تعكس الكتلة الحيوية للدولة فقط، والمتمثلة في السكان والمساحة والموارد، ولا تعكسها أيضا القوة العسكرية وحدها، بل تعد القيم السياسية والاستقرار الطويل والتاريخ السياسي والحضاري وقدرة الدولة على ممارسة وظيفة ثقافة متماسكة، مصادر ثرية أساسية لقوة الدولة المعاصرة. وهذه الموارد متوافرة للأردن، وقد نجحت النخب السياسية الأردنية أحيانا في استثمارها، وفشلت في أحيان أخرى كثيرة.

التعليق