مرشحو الرئاسة الأميركية يتملقون إسرائيل ويتجاهلون الفلسطينيين

تم نشره في الثلاثاء 5 نيسان / أبريل 2016. 11:00 مـساءً
  • المرشح الرئاسي الأميركي دونالد ترامب يتحدث في مؤتمر لـ"إيباك" في واشنطن مؤخراً - (أرشيفية)

جيمس زغبي * — (واشنطن ووتش) 29/3/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

أداء أربعة من أصل خمسة من المرشحين المتبقين للرئاسة الأميركية في مؤتمر سياسة لجنة العلاقات العامة الإسرائيلية الأميركية "إيباك" الذي انعقد مؤخراً، صنع أسبوعاً غريباً وغير مستقر مطلقاً في واشنطن.
* * *
كانت المناسبة برمتها أشبه بتمثيلة أكثر منها بمؤتمر. وكان المكان حلبة رياضة بحضور نحو 18000 مشاهد. وتم عرض المرشحين الذين كانوا على المسرح على شاشات عرض كبيرة معلقة فوق رؤوس المتابعين. وواحد بعد الآخر، جعلوهم يهرولون للأداء. ووجهوا خطابات متشابهة بشكل ملحوظ، لكنها كانت متفاوتة بشكل رئيسي حول سلسلة من الموضوعات المألوفة. فقد أعربوا كلهم عن حبهم لإسرائيل و"بيبي" (رئيس الوزراء الإسرائيلي)؛ وأعربوا عن استعدادهم لتسليح إسرائيل حتى أسنانها؛ وقالوا إنهم لا يثقون بالفلسطينيين واتهموهم بالتحريض؛ وقالوا إنهم يكرهون الأمم المتحدة وسيعارضون أي جهد لفرض عقوبات على إسرائيل -سواء من جانب الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو حتى مجموعات الطلاب الأميركية، ووعدوا بأن يكونوا أفضل لإسرائيل من الرئيس أوباما. وبينما تملق المرشحون إسرائيل بلا خجل أمام جمهورهم المخدوع، فإن بياناتهم السياسية ووصفات السياسة التي عرضوها كانت خطيرة ومنفصلة عن الواقع.
في خطاب بعد الآخر، عرض المرشحون على إسرائيل دعماً غير مشروط من خلال استخدام ما أصبحت الآن مصطلحات اعتيادية مثل دعم "غير مهتز" و"غير متردد"، أو "غير قابل للنقض". ولم يتطرق أي منهم إلى المعاناة التي يعانيها الفلسطينيون الرازحون تحت نير الاحتلال -وفي الحقيقة لم ترد كلمة احتلال أبداً على ألسنتهم. وعندما تم ذكر الفلسطينيين، فقد تم ذكرهم فقط للعنهم واتهامهم بالتحريض والجريمة. واتهم جون كاسيتش الفلسطينيين بتكريس "ثقافة الموت"، بينما أحيا تيد كروز القصة المختلقة القديمة التي تتهم العرب بأنهم يريدون "إلقاء إسرائيل في البحر".
(تجدر الإشارة إلى أن أحمد سعيد، المعلق السياسي في إذاعة صوت العرب المصرية في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، كان كثيراً ما يردد عبارة: "هنيئا لك يا سمك البحر فلن تجوع بعد اليوم" أثناء احتدام الصراع بين مصر وإسرائيل قبل أسابيع من اندلاع حرب حزيران في العام 1967، فاستغل الإسرائيليون الذين يتوافرون على آلة إعلامية ضخمة في العالم أقواله، واتهموا العرب بالسعي إلى إلقائهم في البحر. "المترجم")
ومن جهتهم، دان المرشحون، هيلاري كلينتون وكروز وكاسيتش، الجهود الرامية "لعزل إسرائيل والضغط عليها ونزع الشرعية عنها"، متعهدين بمكافحة تحرك "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" على إسرائيل، متهمين هذا التحرك بترويج "خطاب الكراهية والتحرش والتخويف في حرم الجامعات". وذهب كروز بعيداً باقتراحه أن الحاجة قد تمس إلى تطبيق "سلوك غير قانوني إلى أبعد مدى في القانون".
وبالإضافة إلى ذلك، تعهد كل المرشحين الجمهوريين بنقل السفارة الأميركية إلى القدس "العاصمة الأبدية للشعب اليهودي" (كان ذلك تعبير دونالد ترامب). ومتصدراً الموقف، قال كروز إنه سيشرع في الجهد لنقل السفارة إلى "العاصمة الموحدة والأبدية" مع يومه الأول في الرئاسة. ومن ناحيتها، تجاوزت كلينتون التحدث عن نقل السفارة، لكنها قالت إن "واحداً من الأشياء الأولى" التي ستفعلها عندما تتولى الرئاسة، سيكون توجيه الدعوة لنتنياهو لزيارة البيت الأبيض، "لأخذ التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى المستوى التالي".
لكن أداء ترامب عكس على أفضل وجه عدم واقعية هذا العرض الصفيق برمته. وكان خلال مسار حملته في هذا العام قد قال، في العديد من المناسبات، وحيث صبت الجالية اليهودية المؤيدة لإسرائيل جام غضبها عليه، إن اليهود لن يؤيدوه، لأنني "لا أريد أموالكم"، وقال إنه سيكون "مفوضاً محايداً" بين إسرائيل والفلسطينيين، وأبدى تردداً حيال موضوع نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وسخر من فكرة "تمزيق الاتفاق النووي الإيراني".
في عرض "إيباك"، أعتلى ترامب المنصة وقرأ كلمة معدة استهلها بالقول: "أنا لم أحضر إلى هنا لأتملق إسرائيل". وكانت تلك أول كذبة له في تلك الليلة. وعندما واصل، ناقض كل موقف من مواقفه السابقة، ودان الفلسطينيين والرئيس أوباما وإيران. واختتم كلمته بالقول: "إنني أحب إسرائيل، أحب إسرائيل"، مضيفاً، على نحو غرائبي، أن ابنته على وشك ولادة "طفل يهودي جميل". وبينما صفقت الجماهير لترامب مرة بعد الأخرى، بدت المناسبة كلها غريبة بشكل مطلق، لأنه كان هناك ترامب يناقض كل شيء قاله في السابق، ولم يبد أن أحداً لاحظ ذلك الأمر أو اهتم به. كل ما كان مهماً هو أنه يتملق، وهم أحبوا ذلك.
في الأثناء، كانت كلينتون الوحيدة التي تطرقت إلى ذكر دولة فلسطينية -لكنها لم تعرض أي اقتراح باستثناء الوعد الغامض: "سوف أبحث عن فرص لخلق الظروف لإحراز تقدم". وبينما نأت بنفسها عن توجيه أي انتقاد لإسرائيل، قالت كلينتون "على كل جانب أن يقوم بدوره عبر تجنب ارتكاب أي أعمال تلحق الضرر، بما في ذلك ما يتعلق بالمستوطنات". وكان هذا التعليق مع ذلك ملتوياً جداً إلى درجة بدا معها مصمماً لكي يتم التغافل عنه. وهكذا كان.
وفي نهاية المؤتمر، غادرت "وفود" إيباك إلى الوطن وهي مطمئنة وواثقة من أن حكومة إسرائيل ذات الخط اليميني المتشدد لم ترتكب خطأ، وأن إسرائيل ستستمر في تلقي الدعم والدفاع عنها ضد كل الضغوطات التي تمارس عليها من أجل سياستها تجاه الفلسطينيين، وأن من الممكن إجبار كل سياسي على الانحناء أمام ضغوطهم وقول ما يريدون سماعه منه بالضبط (حتى لو كان السياسي لم يعن ذلك). وهذا محزن بطريقة ما، لكنه مخادع وخطير أيضاً.
لكن الذي فات على حشد "إيباك" كان فرصة الاستماع إلى ما أراد مرشح رئاسي جمهوري، والذي كان يمكن أن يزودهم بالقليل من فحص الحقيقة والواقع. لم يستطع بيرني ساندرز، المرشح الوحيد لمنصب الرئيس وهو يهودي، حضور المؤتمر، وطلب نقل كلمته عبر الأقمار الاصطناعية. وعلى الرغم من أن "إيباك" كانت قد أقدمت على هكذا إجراء مع مرشحين جمهوريين في الانتخابات الأخيرة، إلا أنها رفضت طلب ساندرز.
ووجه ساندرز ملاحظاته إلى جمهور في ولاية أوتاه. وكان بيانه متوازناً بشكل ملحوظ، واستهله بالتعهد بأنه "إذا انتخبت رئيساً، فإنني سأعمل بلا كلل على التقدم بقضية السلام كشريك وكصديق لإسرائيل. لكن علينا حتى ننجح، أن لا نكون أصدقاء لإسرائيل فقط، وإنما للشعب الفلسطيني أيضاً". ومضى إلى القول: "لا يمكن تجاهل الشعب الفلسطيني. ولا يمكنك أن تتوافر على سياسة جيدة ... إذا تجاهلت أحد الجانبين".
ودعا ساندرز إلى إنهاء "احتلال الأراضي الفلسطينية"، وانتقد استغلال إسرائيل لمصادر المياه الفلسطينية ونزع ملكية الأراضي الفلسطينية والمستوطنات واستخدام العنف المفرط ضد الفلسطينيين. كما شجب حصار غزة ومعدل البطالة المرتفع فيها والافتقار إلى إحراز تقدم على صعيد إعادة الإعمار.
لكن ساندرز لم يستثن الفلسطينيين من اللوم والتقريع أيضاً. فقد دان استخدام حركة حماس للصواريخ وتحويل الأموال لديها لخدمة أغراض عسكرية. ودعا الفلسطينيين إلى رفض العنف والإرهاب وإلى الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.
كان خطاب ساندرز عقلانياً وذكياً. وكان يجب أن يسمعه جمهور "إيباك". وكان من الممكن أن يكون ترياقاً صحياً لمشروب "كول إيد" الذي قُدم إليهم وشربوه في واشنطن العاصمة.

*رئيس المعهد الأميركي العربي جيمس زغبي، مؤلف "الأصوات العربية: ماذا يقولون لنا ولماذا يهم".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Dangerous and Delusional

[email protected]

التعليق