الخط الصحراوي

تم نشره في الخميس 21 نيسان / أبريل 2016. 11:06 مـساءً

في الأردن، كان الطريق الملوكي "السلطاني" القادم من الدولة العثمانية باتجاه الديار المقدسة جنوبا، والمار عبر مادبا والكرك والطفيلة والشوبك، هو الطريق البري الوحيد الذي يخترق تعرجات البلقاء ومؤاب والشراه، إلى أن تم افتتاح الخط الصحراوي البري في مطلع الستينيات، بموازاة الخط الحديدي الحجازي.
منذ افتتاح هذا الطريق البري المهم، تطور النقل ونمت المدن وازدادت أعداد السيارات، فأصبح الخط الصحراوي طريقا للنقل التجاري تستخدمه عشرات آلاف الشاحنات الأوروبية والتركية والعربية، وأصبح منفذا أساسيا للتجارة البينية عبر القارات والحدود لعشرات دول العالم، إلى جانب استخدامه من قبل سكان مناطق الجنوب والسياح وحجاج البر والمعتمرين.
لكن الطريق الذي كان عنوانا لازدهار الحركة والنقل في ستينيات القرن الماضي، أصبح متهالكا ومكتظا ومخيفا. إذ لكل أسرة في الجنوب قصة ومصيبة ترتبط بالخط الصحراوي؛ فما من بلدة أو قرية أو ربما عائلة، إلا وفقدت واحدا أو أكثر من أبنائها في حوادث "الصحراوي" الذي أصبح كابوسا يخيف الأمهات، إذ يحصد أرواح الشباب وييتم العشرات من الأطفال كل عام. مشكلة الخط الصحراوي الذي يمتد لأكثر من 300 كم، ويصل بين عمان ومعان ليتفرع بعدها باتجاه العقبة أو المدورة، ليست في رداءة أوضاع سطح الطريق المشقق والمتهالك فحسب، ولا في نمط القيادة لآلاف المستخدمين للطريق من جنسيات وخلفيات مختلفة، بل هي في عدم وجود مسارب محددة للشاحنات القادمة في رحلات من مناطق مختلفة، وتزاحمها مع السيارات الصغيرة على المسارب التي لم تعد كافية. بالأمس فقدت إحدى عائلات قريتنا أربعة من أفرادها بعد أن توارت مركبتهم الصغيرة تحت هيكل إحدى الشاحنات العملاقة التي تستخدم الطريق. والحادثة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة؛ فمن بين صفوف المعزين كان هناك الكثير ممن نشأوا أيتاما أو أصيبوا بإعاقات دائمة جراء حوادث الخط الذي أصبح أحد أهم أسباب الوفاة لأبناء محافظات الجنوب. منذ سنوات ونحن نسمع عن نية الحكومة صيانة الخط وإعادة إنشاء أجزاء منه، لكن من دون أن يلمس الناس إجراءات حقيقية على الأرض. ونواب في المجلس السادس عشر عادوا لدوائرهم الجنوبية قبل سنوات يعلنون أنهم حصلوا على تعهدات حكومية بحل مشكلة "الصحراوي"، لكن أيضا مرت السنوات من دون تنفيذ لأي من التعهدات. وقد تكرر المشهد في المجلس السابع عشر بعد أن قالت الحكومة إنها وفرت المخصصات لذلك. في كل مرة يحتاج أحدنا الاتجاه جنوبا لزيارة الأهل أو القيام بواجب من واجباتنا الاجتماعية، تراوده مخاوف وهواجس بسبب الطريق الذي أصبح اسمه مقرونا بالموت والويلات. فقد أصبحت أعداد باصات الحجاج والمعتمرين التي التهمها الطريق أكثر من أن تكون محتملة، كما أصبح منظر المركبات الصغيرة العالقة تحت أجسام الشاحنات شبيها بالمناظر التي تجدها في ألعاب "غريندايزر" التي يقبل عليها الأطفال. للكثير من الأهالي في الجنوب، أصبحت الرحلة إلى عمان والعودة منها شرا لا بد منه.
الخط الصحراوي هو شريان الحياة الواصل بين شمال المملكة وجنوبها. وإعادة صيانة الطريق من دون إيجاد مسارات خاصة للشاحنات لا يغير في واقع المشكلة ولا خطورتها في شيء. فمن المهم أن يجري تحديد مسارب خاصة بالشاحنات، وإنهاء حالة الرعب التي يعايشها سواقو سيارات الركوب جراء السلوك الاستحواذي لمركبات الشحن العملاقة.

التعليق