ضحى عبد الخالق

انطباعات وطبعات؟

تم نشره في الخميس 21 نيسان / أبريل 2016. 11:00 مـساءً

يمكن تلخيص مفهوم "الانطباع" (Impression) بأنّه فكرة أو رأي أو شعور، تشكّل عن شيء أو عن شخص أوجماعة ما، والأرجح أنّه بُني على أسس تنقصها الأدلّة والتوثيق، وتكوّن عبر فترة ليست بالقصيرة ومن دون تفكير. ويظلّ الانطباع يطارد ضحيّته في الوقت الذي قد تكون فيه الانطباعات غير صحيحة أو تنقصها الدقّة، ولتصبح بعدها عملية "إدارة الانطباع" مسألة فارقة أو إشكاليّة.
ولأنّ الانطباع يحوى ردودا غير عقلانيّة أوعاطفيّة تشكّلت بوضع ظرفي وبشكل غير واع، فإنه سيوجد نتائج تراكميّة وخيمة إن بقيت الانطباعات السيئة من دون معالجة. ومن هنا يمكن لكائن من كان ومن دون أدنى تردّد أن يصف أو يتنطّح لوصف أي من شعوب العالم أو أي من مؤسساته وأفراده. فهل القول بأنّ الأردنيّ يتميّز بالتعليم وبالهندسة، أو بالجديّة والمثابرة، حقيقة أم انطباع؟ في هذا المثال تندمج الحقيقة بالانطباع، لأنّ الأخير أصبح راسخا عن الأفراد لدينا. كما يمكن وصف الأردن بالدولة المضيافة، وهو انطباع آخر راسخ. ثمّ يحصل الارتقاء بالانطباع إلى مرحلة التوصيف، كالقول إنّ الأردن بلد سياحي أو صناعي؛ أو اقتصاده خدماتي أو ريعي... وتتمّ الاستعانة بالأرقام كالإحصاء، بأنّ 130 ألفا من القوى البشريّة في الأردن من المهندسين المسجّلين في نقابة المهندسين، وهكذا. وكلما زادت البيانات، وتوضّحت العلاقات، مع مرور فترة كافية من الوقت، سننتقل من الشعور إلى التوصيف إلى حقيقة ما أو حقائق.
أمّا بالنسبة لـ"الطبعة" (Labeling) فهي تسمية لموقف أخطر يقع فيه التحديد شكلا من أشكال التمييز أو التحامُل الشديدين! وبالعموم، يمكن أن تزداد حدّة الطبعات على نحو قد تصل معه إلى التحقير العرقي أو الديني، على شاكلة "العرب كذا". ثم ليمتدّ الموقف بأوصاف فرعيّة. وهو ما دفعني لاستحضار "الطبعات" في الشأن العام والشأن الاقتصادي لدينا، وهي اليوم عديدة، وأصبحت تظهرُ بشكل ما يُبث لأسباب ودوافع مختلفة، من خلال مقولات جاهزة ومُعلّبة تجاه مجموعات بذاتها، على شاكلة "الوزراء في الأردن كذا" و"النواب كذا" و"الأغنياء كذا" و"الاقتصاد كذا" و"نحن كذا"... ليصبح كل هذا في فكر الجماعة "طبعة"! والذي حصل هو أنّه أصبح من السهل علينا أن نُكرّس "نحنُ" ذات الصورة النمطيّة التي لا نرغبها عن أنفسنا ولا نريدها عنّا، عبر السماح لأنفسنا أو لآخرين باستهداف فئات أخرى غيرنا باختزال مريح وبسيط.
الخطورة تكمن هنا في أنّ طريقة التفكير والإدارة هذه تحمل سلبية طاردة لأي توجّه إيجابيّ من آخرين عندما يتحوّل كل شيء من حولهم بجرّة قلم إلى "كذا". ولهذا قرأتُ في تصريح عام مثل "أنّ الأردنّ لم يقع فيه فساد، ولو حالة واحدة، في فترة الخمس سنوات الماضيّة، مُحاولة حثيثة لإدارة الانطباع ولإزالة الطبعات في آن واحد! مع ضرورة التذكير بأنّه لا يمكن اختزال أي موضوع أو التنصّل منه بجملة واحدة، وعلى أن يتمّ التواصل على نحو تُحترم به عقليّة المُتلقي الواعي والعالم
بالتفاصيل!
وطبعاتنا تزداد وأسمعها حتى في مجالس الحُكماء. ومسوحات الرأي والقياسات المُحايدة، والكشف الدوري على أرض الواقع، فقط ما سيكشف الفجوة ما بين ماهيّتنا وكيف يرانا الآخر، وكيف نرى نحن أنفسنا بواقعيّة لفظية. والأسئلة هنا دوما مفتوحة. ومن المهمّ أن لا تهزم المجتمعات نفسها بنفسها بتدوير أو إعادة تدوير ذات اللغة السلبيّة والخطاب المطبوع بلهجة "اللطم" الدائم. نائبا أم مواطنا، مديرا أم طالبا؛ افعل شيئا وليكن ذلك مفيدا.

*خبيرة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

التعليق