"العَلمانية" و"الإسلام" و"صراع الشُّرفات" (1)

تم نشره في الخميس 28 نيسان / أبريل 2016. 11:00 مـساءً

د. نارت قاخون

في الفيلم العربيّ "فوزيّة البرجوازيّة" يتسبّب حوار بين سيّدتين تقفان على شُرفة منزليهما حول قطعة "ملابس" ضائعة من حبل "الغسيل" بمشكلة "الفيلم" وصراعه حين تتّهم السيّدة "المثقّفة" "عنايات" ذات الميول اليساريّة جارَتها "العاميّة البسيطة" "فوزيّة" بأنّها امرأة "برجوازيّة"، فتعتبر السيّدة العاميّة هذا الوصف الذي لا تفهمه ولا تستطيع نطقه "شتيمة"، فتغضب وتخبر زوجها "بدّار الحلاّق" الذي يغضب لإهانة زوجته، فينشأ صراع بين الأسرتين؛ أسرة "بدّار الحلاّق وزوجته فوزيّة"، وأسرة "المثقّفَين اليساريّين "عبدالواحد وزوجته عنايات"، ليتحوّل الصراع بفعل "الإسقاط الثقافيّ والأيديولوجيّ" من "الزوجين المثقّفَين" وتدخّل أطراف أخرى إلى صراع بين "الاشتراكيّة" و"الرأسماليّة"، وتمسي "الحارة" من منظور الأطراف المتصارعة مسرحاً للحرب الباردة بين "أميركا والاتحاد السوفيتيّ"! يُوظَّف أهلُ الحارة بوصفهم عناصر هذا الصراع وأدواته، فيصير تشجيع "النادي الأهليّ المصريّ" موقفاً "اشتراكيّاً" بدليل "اللون الأحمر" الذي يلبسه الفريق، ويقابله في التعبير عن الموقف "الرأسماليّ" نادي "الزمالك المصريّ" بدليل لونه "الأبيض" ومنافسته التاريخيّة للنادي الأهليّ!
عبّر "الفيلم"، ببساطة وسخرية، عن "الصراع الأيديولوجيّ والثقافيّ" ومظاهره التي وقع فيها "مثقّفو" تلك المرحلة و"أوقعوا فيها" الخطاب المجتمعيّ"، وهو الصراع الذي أسمّيه "صراع الشُّرفات" نسبة إلى "الشُّرفة" التي كانت منطلق الصراع بين "فوزيّة" و"عنايات" في الفيلم. ويتّسم هذا "الصراع" بالمشاكل "المفهوميّة" والأخطاء "السياقيّة"، فـ"عنايات" وزوجها "المثقّفان اليساريّان" يريان في امتلاك "بدّار" محلاًّ للحلاقة وعمارة قديمة متهالكة في حارة شعبيّة سبباً كافياً لوصفه بـ"البرجوازيّ"! وترى "فوزيّة" وزوجها أنّ لفظ "البرجوازيّة" شتيمة، فيخوض الطرفان صراعاً منتزعاً من سياقٍ ومُسقَطاً على سياق دون وعي بالشروط التاريخيّة للسياقين.
ما أدّعيه في هذه المقالات أنّ الصراع المشهود بين "العَلمانية" و"الإسلام" يتّسم بالسّمات نفسها التي تجعل تسميته بـ"صراع الشُّرفات" مقبولة معقولة؛ فهذا الصراع يتّسم بالقلق المفهوميّ وغياب الاتّساق والشيفرة المشتركة والفهم الدّقيق للمفاهيم التكوينيّة لهذا الجدل أو الصراع، إضافة إلى انتزاعات سياقيّة في فهم هذه المفاهيم ضمن شروط إنتاجها، ثمّ شروط إعمالها في اللحظة التاريخيّة الراهنة.
وللتاريخ فإنّ الصراع بين "العَلمانيّة" و"الإسلام" في سياقنا الآني لا يمثِّل الجولة الأولى من الصراع، بل استئناف لما كان بدأ مع منعطف القرن التاسع عشر على القرن العشرين، فظهرت كتابات ومحاولات تحاول تبييء "العَلمانيّة" واحتضانها في السياق الإسلاميّ والعربيّ، قابلها كتابات تفنّد إمكانيّة هذا "التبييء" و"الاحتضان". ثمّ تراجع هذا "الصراع" نسبيّاً وأخلى "شُرفات الصراع" إلى الجدالات "القوميّة واليساريّة واليمينيّة" وتحالفاتها، حتى عاد منذ سنوات ليحتلّ "الشُّرفات".
ويمكن للراصد أن يلحظ أنّ هذا "الصراع" في جولاته "القديمة" و"المتجدّدة" اتّسم بما ذكرتُه من سمات "القلق المفهوميّ" الذي يُمثِّل أحد تجليّات "صراع الشُّرفات"؛ فنرى "التشنّج الشعوريّ"، و"التراشق الاتّهاميّ"، وتحكّم "المدخل النفسيّ" مظاهر ملازمة لهذا "الصراع" و"الجدل"، فنجد معجم "الجدل" مليئاً بمفردات "التكفير" و"العمالة" و"الانهزام أمام العدو" و"الغزو الثقافيّ" و"الحرب على الإسلام والدين والأخلاق" من جهة "الإسلاميّين"، و"التخلّف" و"المتاجرة بالدين" و"الغيبوبة الحضاريّة" و"عقليّة القرون الوسطى" من جهة "العَلمانيّين".
وهذه بعض أعراض "الاضطراب المفهوميّ"، فإنّ "العَلمانيّة" و"الإسلام" لا يحضران في الصراع بوصفهما مفهومين "واضحين" متّفق عليهما بين دعاتهما الرافعين لهما شعاراً للحلّ، وسبيلاً للخروج من الأزمة والنهوض، أو سبباً للمشكلة والمآزق التي نعاين آثارها، فضلاً عن عدم اتفاق بين الطرفين المتصارعين؛ فـ"العَلمانيّة" علمانيات، و"الإسلام" إسلاميّات، فنجد من دعاة "العَلمانيّة" من يختار "العَلمانيّة الجزئيّة" حسب تعبير عبدالوهاب المسيريّ، أو "العَلمانيّة الأنجلو ساكسونيّة" المتجليّة في النموذج البريطانيّ الذي يختار "العَلمانيّة" بوصفها فصلاً لسلطة السياسة عن سلطة الدين أو "حياد الدولة" تجاه الحيّز المجتمعيّ والحيّز الدّينيّ، فلا تفرض على المجتمع أن ينسحب من "الدين"، ولا على "الدّين" أن ينسحب من حياة النّاس واختياراتهم، ولكنها لا تقبل أن يفرض "الدّينُ" بوصفه "ديناً" رؤيتَه وتكاليفه على الأفراد والمجتمع والسياسة، فتُحيل "الدّين" إلى مقترَح له حقّ الحضور في الحيّز الفرديّ أو المجتمعيّ عبر "الاختيار الفرديّ" أو "الاختيار الديمقراطيّ".
وفي مقابل هذا المفهوم لـ"العَلمانيّة" هناك مفهوم شموليّ جذريّ وصفه "المسيريّ" بـ"العَلمانيّة الشاملة"، ويُعرف أيضاً بـ"العَلمانيّة الفرنسيّة" التي تتخذ موقفاً جذريّاً وشاملاً من "الدّين" فلا تقبل حضوره في الحيّز الجمعيّ والاعتبار السياسيّ والأخلاقيّ.
وحتى يزداد "القلق المفهوميّ" وأعراضه نجد من يُدخل "الإلحاد" جزءاً من الجدل والصراع، ولهذا "الإدخال" نقداً وتقويماً حديث آخر.
يُمكن القول إنّ أغلب دعاة "العَلمانيّة" في سياقنا يُظهرون اختيارهم للنموذج الأوّل الجزئيّ من "العَلمانيّة"، وهم يطرحون "العَلمانيّة" بهذا المفهوم بوصفها ضرورة حضاريّة وحلاً للمآزق المدنيّة والسياسيّة والفكريّة، يرافقه عند نسبة كبيرة منهم شعورٌ بـ"الاستغراب" و"التعجّب" لرفض كثير من "الإسلاميين" لهذا النموذج من "العَلمانيّة"، غافلين أو متغافلين عن أنّ رؤية كثير من "الإسلاميين" تتعارض جذريّاً مع هذا المفهوم لـ"العَلمانيّة" ولو كانت "جزئيّة"، ومَن قَبِل به من بعض الاتّجاهات والحركات "الإسلاميّة" لم يقبل به إلا قبولاً "تكتيكيّاً" لا أكثر كما سأوضّح لاحقاً.
أمّا لماذا يقف كثيرٌ من "الإسلاميين" هذا الموقف الجذريّ من "العَلمانيّة" بمستوياتها المختلفة؟ فمردّ ذلك رؤية "الإسلاميّين" للإسلام؛ فهم يرون "الإسلام" بوصفه: "نظاماً شموليّاً" يعالج الحياة كلّها في حيّزاتها الخاصة والعامة، و"صالحاً لكلّ زمان ومكان وإنسان"، يقدّم "نظاماً تكليفيّاً إلزاميّاً"، وليس "مقترحاً" من جملة مقترحات يختاره مَن شاء إذا شاء، ويتركه كلّه أو بعضه إن شاء أيضاً، وهو السبيل الوحيدة للنّجاة، فلا نجاة لأحدٍ إلا باتّباع "الإسلام" والامتثال إلى أحكامه وتعاليمه. فهل هذه "رؤية" يُمكن لها أن تبلغ "تسوية معقولة" مع الطروحات "العَلمانيّة" بأيّ مستوىً من المستويات؟ وهل يكفي "العَلمانيّة" ودعاتها أن يصرّوا على أنّهم لا يعادون "الدّين" ولا يحاربونه، وهم يفترضون أنّ مخالفيهم ينطلقون من فهم "شموليّ مغلوط" للدّين والإسلام دون بذل الجهد المعرفيّ لتفكيك هذا المفهوم إن استطاعوا؟ هل ينبغي على "الإسلاميّين" أن يفكّكوا مفاهيمهم عن "الدّين"، وينسحبوا من "حيّز وجودهم" و"مناطق نفوذهم" "اختياراً وطواعية وتنازلاً" دون أن يُضطروا لذلك معرفيّاً وواقعيّاً؟
قد يقول قائل إنّ هذا الجهد المعرفيّ قد بُذل، فهناك عشرات الكتب التي تفكّك هذه المنطلقات والأركان. ولكن أستطيع الادّعاء أنّ هذا "الجهد المعرفيّ" -على فرض بذله- لم يُحقّق نجاحاً يُذكر في "دائرة الخطاب الإسلاميّ"، بل نرى مزيداً من المواقف التشنّجيّة والتخويفيّة والتخوينيّة لأيّ طرح يحاول التماس جذر علمانيّ أو مقاربة علمانيّة، ومَن قبل به "قبولاً ظاهراً" إنّما فعل ذلك "تكتيكاً" لا "استراتيجيّة" لأنّه ينطلق من قناعة مضمرة راسخة أنّ "الإسلام" "بضاعة لا يُمكن أن تكسد في سوق حرّة" حسب تعبير "راشد الغنوشيّ". وهذه المقاربة "التكتيكيّة" المنضوية على ثقة شبه كاملة أنّ هذا المفهوم لـ"الإسلام" سينجح بامتياز في أيّ اختبار حرّ للاختيار في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة كانت "مسوِّغ" بعض "الإسلاميّين" لقبول "الشرط الديمقراطيّ" أولاً، ثمّ لقبول "نسبيّ" بالشرط "العَلمانيّ" مستخدمين "تورية" تواطأ معهم عليها كثير من "العَلمانيّين" أيضاً حين قبلوا استخدام مصطلح "الدولة المدنيّة" مقابل "الدولة الدّينيّة" عوض "الدولة العَلمانيّة"، وهو المفهوم المتّسق في هذا السياق.
إذن نحن مقابل تضاد جذريّ، أو "مأزق فلسفيّ"؛ فأحد مكوّنات "العَلمانيّة" باختلاف مستوياتها غير حاضر في سياقنا الآنيّ، وهو "القبول المعرفيّ والنّفسيّ والمجتمعيّ" لمبدأ كون "الإيمان بأيّ دينٍ "خياراً ممكناً" من خيارات متاحة ليس له قوّة إلزاميّة بذاته إلا في سياق "عقد مجتمعيّ" يتأسّس وفق اجتماع "اختيارات حرّة" تقبل التراجع عنها وتجاوزها إذا تغيّرت توجّهات "المجتمع" وقواه، وهذا أحدّ أهمّ شروط "عصر العَلمانيّة" حسب تحليل "شارل تايلور".
وفق هذا هل تلوح في الأفق أيّة إمكانيّة لـ"التّسوية" بين الطرفين تحفظ لكلّ منهما مكوّناته الجوهريّة وحيّز حضوره المجتمعيّ؟ أم أنّ الأمر محتوم بصراع "إفناء" و"إقصاء"؟ وهل نملك الشروط المفهوميّة والسياقيّة التي تجعل مثل هذه التسوية ممكنة؟ ثمّ هل في "التّسوية" مصلحة حقيقيّة عامّة؟
لهذا الحديث تتمة.

التعليق