المعاش.. هيبة القدوم ومخاوف التأخير

تم نشره في الخميس 28 نيسان / أبريل 2016. 11:06 مـساءً

"المعاش" مفهوم يشير إلى المال الذي يتقاضاه المستخدم؛ الموظف أو العامل، في مواقيت محددة، كأجر لقاء ما يقوم به من أعمال. وقد يُستخدم المفهوم أحيانا ليعني قيمة المبلغ الذي يتلقاه الشخص بموجب قوانين وأنظمة التقاعد أو الضمان الاجتماعي؛ فيقال إن فلان "طلع على المعاش"، أي إنه أحيل على التقاعد.
وقد جاءت مفردة "المعاش" لتعبر عن أن المبلغ الذي يتلقاه الشخص يحدد في ضوء تقديرات تكلفة المعيشة أو ما يلزم الفرد وأسرته من سلع وخدمات ضرورية لمعيشتهما، الأمر الذي يعكس مستوى ودرجة اعتمادية الفرد والأسرة على الأجور.
في الأردن، يكتسب يوم استلام "المعاش" (الراتب) أهمية خاصة، تجعل منه أهم أيام الشهر وأكثرها بهجة. ففي ذلك اليوم الذي غالبا ما يقع في الثلث الأخير من الشهر، تطرأ على حياة كثير من الأسر وإيقاعها بعض التغييرات التي يمكن ملاحظتها من دون كثير تدقيق؛ فقد تعد أسر طعاما نوعيا مختلفا، أو تقوم ببعض الزيارات وتسدد بعض ديونها، وقد تلبي احتياجات خاصة مؤجلة لبعض أفرادها.
في المدن والمراكز الحضرية، وحتى في البادية والأرياف، أصبح "المعاش" كلمة تختصر العلاقة بين المواطن والدولة. فقد أصبح غالبية الشباب وكل من هم في سن العمل، يشغلون وظائف إدارية وخدمية في المؤسسات المدنية والعسكرية، أو يسعون إلى الالتحاق بها. والحصول على "المعاش" والضمانات والتأمينات الأخرى هي المبررات التي يستخدمها الراغبون في الالتحاق بالوظائف الحكومية، والتي يفضلها البعض على القطاع الخاص.
لسنوات طويلة، أسهمت الهجرة المتزايدة إلى المدن في تراجع نسبة العاملين في الزراعة والرعي والإنتاج الغذائي، وزيادة أعداد العاملين في قطاع الإدارة والخدمات، ممن يعتمدون في حياتهم على الرواتب والأجور. فاليوم، تذهب غالبية موازنة الدولة للمعاشات؛ إذ يعتمد أكثر من ثلثي الأسر الأردنية على ما يتلقاه أربابها من رواتب لقاء الوظائف التي يشغلونها أو تلك التي عملوا فيها قبل أن تطالهم قرارات الاستغناء عن الخدمات والإحالة إلى التقاعد. لكن معاشات الأردنيين لا تكفي لتغطية مصاريف العيش الأساسية هذه الأيام، والكل يشكو، وغالبية الناس يتندرون على مبلغ السبعة دنانير ونصف الدينار المخصصة للزوجة والعشرة دنانير المخصصة كبدل غلاء معيشة.
منذ أيام، كنت أجالس سيدة ثمانينية. وبعد صمت طويل سألتني: "هو اليوم قديش في الشهر؟". فأجبتها أنه الثالث والعشرون. فقالت: "يعني المعاشات طلعت". فقلت: "أكيد يا حجة". فمعاشات المتقاعدين تصرف في العشرين من كل شهر.
بعدها انتهى الحديث، وأطرقت في تفكير عميق حول حياة الأردنيين وهمومهم ومشاغلهم، والعلاقة بين الفرد والدولة، والعلاقة بين الأردن وجيرانه، وقصة "المعاش" الذي يضبط إيقاع حياتنا وحديثنا وعلاقاتنا.
المعاشات وتدبيرها أحد الهموم التي تشغل الحكومة، ولربما تشكل ضغطا هائلا على استقلالية قراراتنا ومواقفنا من القضايا العالمية والإقليمية. والمعاشات ترقبها الأسر وينتظرها التجار، وأرامل المتقاعدين وأبناء الشهداء، وكل العاملين في كل قطاع، والموظفون الذين أحيلوا إلى الاستيداع أو التقاعد المبكر.
للمعاش هيبة في الحضور ووحشة عندما يتأخر، أو يغيب لا سمح الله.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال يستحق التوقف (حسن أبو الرب)

    الجمعة 29 نيسان / أبريل 2016.
    هذا مقال في غاية الاهمية سيما وأنه يشير الى قضية في غاية الاهمية ليس في الاردن فحسب وانما بالمنطقة العربية عامة
    وهو امر يستدعي توظيف الامكانات المتعددة في التنمية الريفيه من خلال الزراعه ومصانع الاعلاف وتوظيف كوادر متعددة لهذا الغرض
    وبالتالي يجب عدم الاعتماد فقط على التوظيف في مؤسسات الدولة التي وصلت حد الاشباع وبالتالي حبذا لو تم دعم القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار والاعفاءات الضريبيه لتحقيق استقرار يقود الى النهضه.
  • »زيادة المعاش (هيثم الخشمان)

    الجمعة 29 نيسان / أبريل 2016.
    لا بد من استغلال الموارد المتاحة في الريف سواء كانت في الزراعة او تربية المواشي بشكل علمي مدروس يكفل تحسين دخل الأسر الريفية في ظل تآكل الرواتب من الوظائف الحكومية. كما يجب تدريب الشباب على مختلف المهن وخصوصاً في قطاع الإنشاءات. الدولة لا تستطيع توظيف كل الباحثين عن عمل في البلاد