من دون عناء السؤال

تم نشره في الخميس 5 أيار / مايو 2016. 11:04 مـساءً

ما إن يلتقي أحدنا بآخر، حتى ينتظم الحديث عن الأوضاع العامة، ويتنقل المتحدثان أو المتحدثون بين السياسة والاقتصاد والأخلاق وشؤون الدنيا من حولنا، لتنتهي المحادثة بالدعاء بأن يحفظ الله البلد، ويديم عليه نعمة الأمن. ثم ينصرف الأشخاص كل لشأنه، من دون أن يُعرف غالباً لماذا انساق الأطراف إلى هذه المحادثة، أو يُذكر أي مما قيل؛ فالحديث في كثير من الحالات أشبه بالهلوسة أو الهذيان الذي قد يصيب كبار السن أو بعض ممن ترتفع درجة حرارتهم لتلامس الأربعين مئوية.
في حقيقة الأمر، تسهم هذه النقاشات القصيرة في التخفيف من الضغوط والإحباطات التي أصبحت تستولي على جزء كبير من حيزنا النفسي. فالناس يحتاجون للتعبير عما يعتريهم من خوف وقلق وتوتر. والأوضاع من حولنا مشبعة بالأحداث والتطورات التي لا نعرف عن بواطنها الكثير؛ فمعظم الأخبار حول ما يهم الأفراد ويشغلهم، شحيحة ومتناقضة.
بعض الذين ينقلون الأخبار أو يعلنونها يفتقرون للمصداقية، أو تنقصهم القدرة على الإقناع؛ إما بسبب نقص المعلومات المتوفرة لهم، أو لمحاولتهم التستر على جزء من البيانات والمعلومات خوفا من ردود فعل الناس، الأمر الذي يفتح الباب للإشاعة والتخمين، في محاولة لاستكمال بناء تصور منطقي عن الموضوعات والأحداث التي تشغل الناس وتتناولها الأخبار.
الفضول والثرثرة التي يلجأ إليها كثيرون منا عن شؤون السياسة والاقتصاد وعلاقتنا بجيراننا ومديونيتنا، وسواها، ليست أفعالا أو ممارسات عبثية، بل هي تعبير واضح عن القلق والخوف مما يجري في  فضائنا المادي والاجتماعي والقانوني والإداري والاقتصادي والثقافي. فالأصل أن يطمئن الناس إلى أن محيطهم آمن، وأن القرارات المتخذة تصب في الصالح العام وتخدم الرفاه والسعادة التي يطمح إليها كل فرد من أفراد المجتمع.
الأخطار التي تهدد أمن المجتمع ليست خارجية فقط، كالتي يتصدى لها الجيش؛ بل هي متعددة الأشكال ومتنوعة المصادر. فزيادة المديونية إلى الحد الذي تتجاوز فيه النسب المعقولة من الناتج المحلي الإجمالي، مشكلة؛ وتسخير الموقع العام للمصالح الشخصية، مشكلة؛ واضطراب العلاقة بين بلد وجيرانه، مصدر من مصادر التهديد للأمن الاجتماعي. وانهيار المنظومة الأخلاقية والتضارب بين ما يقوله المجتمع عن نفسه وما يمارسه فعلا، مصدر مهم من مصادر الخوف والقلق.
الأصل أن يكون الأمن الاجتماعي هدفا مشتركا لكل المؤسسات الاجتماعية التقليدية، بما في ذلك البيت والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والنادي، بحيث تسعى إلى بناء الشخصية الصالحة الملتزمة بالقيم والمبادئ، والتي تؤمن بواجبها وتحترم حقوق الغير. في معظم الأحيان التي يتردى فيها الأمن الاجتماعي، يؤدي القلق والخوف وانعدام الثقة لدى الأفراد، إلى تراجع المبادئ والقيم والروح الجمعية، لتحل مكانها الفردية والأنانية، ويتوجه الأفراد إلى العناية بمصالحهم الفردية الضيقة على حساب المجتمع، فيضعف الالتزام بالأخلاق، وتتدهور القيم وتنتشر المفاسد والانحرافات، ويزداد الخوف والقلق والشك والتوتر. من هنا، فلا بد من وجود برامج وخطط هادفة، تقوم على أسس واضحة وعادلة، تحترم كرامة الإنسان وعقله، وتوفر لأفراد المجتمع كافة فرصا متساوية في الرعاية والتنمية والرفاه، للحد من فرص الفساد والانحراف السلوكي والفكري الذي يضعف البناء والنسيج الاجتماعيين.

التعليق