التعليم العالي في اللجنة الوطنية لتطوير الموارد البشرية

تم نشره في الأربعاء 11 أيار / مايو 2016. 11:00 مـساءً

أ. د. فايز خصاونه*

نظمت اللجنة الوطنية لتطوير الموارد البشرية، في 24/ 4/ 2016، لقاء لجميع لجانها الفرعية، بعد أن أكملت عملها وقدمت تقاريرها إلى اللجنة الأم. وقد غطت تلك اللجان الفرعية جميع مراحل تطوير الموارد البشرية. وفي كلمة افتتاحية ألقاها رئيس اللجنة معالي الأخ والصديق الأستاذ الدكتور وجيه عويس، قال إن استراتيجية وطنية لتطوير الموارد البشرية عابرة للحكومات سوف تستخلص من التقرير النهائي. كما قيل إن الهدف من ذلك اللقاء هو إطلاع اللجان الفرعية على مضامين التقارير ومناقشة ما وصلت إليه تلك اللجان، وصولا إلى أرضية مشتركة تمهيدا للمؤتمر الوطني العام الذي سيعقد في الأسبوع الأخير من الشهر الحالي تحت رعاية ملكية سامية. وقد اتضح للجميع أن اللجنة الأم واللجان الفرعية تستحق جميعها الشكر والثناء على ما أنجزت، وعلى الجهود المضنية التي بذلت لتحقيق ذلك.
وأريد في هذه المداخلة أن أسلط الضوء على محور التعليم العالي تحديدا؛ إذ لوحظ أن اللجنة الأم كلفت لجانا فرعية للنظر في 4 محاور فقط: محور الحاكمية، محور الاستثناءات، محور التعليم الموازي، ومحور سياسات القبول. مع الإشارة إلى أن المحاور الثلاثة الأخيرة هي في حقيقة الأمر محور واحد: محور سياسات القبول. ونحسن الظن ونحسب أن اللجنة استأثرت لنفسها بتناول محاور التعليم العالي الأخرى، مثل البحث العلمي والجودة وغيرهما، من دون تكليف لجان فرعية بها. لكن ما يهمنا في هذه المداخلة هو محور سياسات التمويل، لأنها وبصورة غير مباشرة كانت مغيبة أيضا كما سيتضح لاحقا، خصوصا أن معظم المهتمين بشأن التعليم العالي يجمعون على أنه يعاني من خللين رئيسين مترابطين، وهما موضوع تمويله وموضوع سياسات القبول فيه، وما الاستثناءات و"الموازي" إلا عناوين فرعية لسياسات القبول. وإذا كان للموازي أي تبعات مالية، فهي تأكيد للترابط القوي بين سياسات التمويل وسياسات القبول.
سياسات تمويل التعليم العالي
على ما يبدو، فإن اللجنة الوطنية رأت أن المدخل لسياسات التمويل يكمن في إلغاء "الموازي"، فاكتفت بالنظر فيها (أي سياسات التمويل) من منظار واحد. واستمعنا إلى عرض مفصل لسيناريوهات مختلفة تدور حول إلغاء "الموازي" وتبعاته المالية. وقد بنيت جميع السيناريوهات التي عُرضت، على أسس تهدف إلى تعويض الجامعات عن الرسوم المفوتة جراء إلغاء "الموازي"؛ إما بفرض ضرائب جديدة على المحروقات تصل إلى 10 % من الأسعار الحالية، أو برفع للرسوم الدراسية، أو برفع مساهمة الخزينة، أو بتشكيلة من كل ذلك، مصحوبة بتخفيض عدد الملتحقين بالجامعات؛ العدد الكلي والعدد النسبي. وكان أحدها سيناريو إلغاء الرسوم الدراسية كليا (التعليم العالي المجاني). وقد شرحت في مقالين سابقين الأعباء المالية الثقيلة جدا التي ستترتب على مجانية التعليم العالي من جهة، وعلى إلغاء "الموازي" من جهة أخرى. كما شرحت بعض الاعتراضات الأخرى على هذين السيناريوهين، والتي تتعلق بمبادئ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والحقوق الدستورية للطالب في اختيار الجامعة والتخصص (إذا حقق الحد الأدنى من التأهيل والتحصيل).
وقبل الخوض في تحليل مقترحات اللجنة، لا بد من الإشارة إلى غياب نص صريح يوضح سياسة تمويل التعليم العالي، ضمن رؤية مستقرة معتمدة لدى صانع القرار. وقد عانينا من غياب هكذا نص طيلة عقدين أو أكثر. والغريب في الأمر أن الكثيرين منا يعتقدون أن لدينا سياسة تمويلية نتفق عليها، بينما الواقع أنه لا توجد لدينا سياسة واضحة المعالم، وأنه لا يوجد لدينا إجماع ولا توافق، بل اجتهادات تتغير مع تغير المسؤولين. فإذا كانت سياسات التمويل غير واضحة وغير محددة بنصوص قانونية، فكيف لنا أن نضع خططا استرتيجية حول موضوع التمويل؟ ستبقى خططنا، مهما اجتهدنا، عبارة عن معالجات جزئية لتضميد ما ينزف من جراح، ولن نستطيع أن نستأصل المرض الأساس.
من هذا المنطلق، فإن بناء الإجراءات التمويلية في الخطة المقترحة على قاعدة إلغاء "الموازي" فقط، يجعلها مرهونة بالإلغاء. فإذا وجد صانع القرار أن الأعباء المالية الثقيلة لا تسمح بإلغاء "الموازي" ولا تسمح بتطبيق التعليم المجاني، وأن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الأردني غير مواتية لا لفرض ضرائب جديدة ولا لرفع الرسوم الجامعية (وهي كذلك)، فهل يعني ذلك أن الوضع التمويلي سيبقى كما هو الآن؟ سؤال برسم الإجابة، خصوصا أن الوضع المالي للجامعات العامة مأزوم وغير قابل للاستمرار.
يبدو أننا انغمسنا انغماسا كليا في موضوع إلغاء "الموازي"، لدرجة أننا لم نتذكر أن الخلل الأساس هو في غياب وربما تغييب سياسات التمويل، وأن الإصلاح يبدأ في رسم سياسات نتوافق عليها ونعتمدها في وضع خططنا التنفيذية ونسير عليها، وأن "الموازي" هو فقط أحد أعراض ذلك الخلل، وأنه كان يجدر بنا أن نعالج الداء نفسه أولا وليس فقط أحد أعراضه.
والسؤال إذن: لماذا لا توجد لدينا نصوص واضحة ومحددة لسياسات التمويل؟ ألا ينص قانون التعليم العالي الحالي، وكل القوانين السابقة له، على أن "رسم السياسات" من مهام مجلس التعليم العالي الرئيسة، وأن السياسات التي يرسمها المجلس يجب أن تعرض على مجلس الوزراء لإقرارها؟ الجواب عن كل هذه التساؤلات، وبغصة كبيرة، أن غياب النصوص الصريحة لا ينحصر في سياسات التمويل فحسب، بل ينسحب على جوانب أخرى من قطاع التعليم العالي بشقيه، الجامعي والمتوسط، فضلا عن البحث العلمي.
وعودة إلى الوضع المالي المأزوم للجامعات العامة، فإنه يمكننا الاتكاء على المعلومات المتوافرة -رغم تباينها وشحها- لرسم صورة قريبة من الواقع.
فقد أشارت دراسة أجرتها وزارة التعليم العالي إلى أن الجامعات العامة أنفقت في العام 2014 ما يقرب من 527 مليون دينار، منها 413 مليون دينار نفقات متكررة، بينما بلغت إيرادات الرسوم الجامعية 363 مليون دينار، شاملة رسوم كل البرامج، كما بلغت مساهمة الخزينة في العام نفسه 43 مليون دينار. وتحملت الجامعات في العام ذاته أيضا عن الخزينة تغطية تكاليف تدريس أبناء المتقاعدين العسكريين بمعلولية جسيمة، وتكاليف منح الديوان الملكي العامر، وإعفاءات الطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، بما مجموعه 25 مليون دينار. أي أن صافي ما ساهمت الخزينة في موازنات الجامعات لذلك العام كان بحدود 18 مليون دينار فقط. وقد بينت الدراسة أيضا أن إجمالي عجز الجامعات العامة في شهر أيلول (سبتمبر) 2015، كان 139.5 مليون دينار؛ بين حسابات بنكية مكشوفة وقروض والتزامات مستحقة الدفع.
ورغم أن هذه الأرقام يصعب استيعابها، وخصوصا أن هناك إيرادات ذاتية أخرى غير الرسوم، لكن جلها إيرادات مقابل خدمات ومنافع لا ترقى إلى ما ينفق عليها، كالتأمين الصحي على سبيل المثال وليس الحصر، إذ إن اشتراكات المنتفعين أقل من كلفة التأمين بفارق كبير، يظهر في خانة الإنفاق الجامعي الإجمالي.
هذه الصورة المشوشة تبين لنا أن مجموع إيرادات الرسوم الجامعية مضافا إليها صافي مساهمة الخزينة للعام 2014، كان بحدود 381 مليون دينار، وأن صافي مساهمة الخزينة بلغ 4.7 % فقط. ولم يكن العام 2014 استثناء على النسق المستقر نوعا ما، إذ تراوحت مساهمات الخزينة خلال الفترة 2001-2014 بين 36-74 مليون دينار سنويا، وبمعدل 55.9 مليون دينار خلال تلك الفترة، ومعدل 38.8 مليون دينار خلال الفترة 2012-2015.
فإذا كان هذا هو النسق المطبق خلال الخمس عشرة سنة الماضية، فهل نستنتج من ذلك أن لدى صانع القرار سياسة تمويلية يستبطنها رغم تقلب الحكومات؟ وهل يمكن لهذه السياسة أن تسعف هذا القطاع نحو التعافي واستئناف مسيرة البناء لمواردنا البشرية بالنوعية التي نحن قادرون عليها؟ سؤالان، الأول تقريري؛ والثاني استنكاري. وكلاهما يؤشران إلى أنه كان على اللجنة الوطنية أن تخصص بابا كاملا للنظر في السياسات التمويلية برؤية شمولية، بدلا من النظر في جزئية من جزئيات الخلل التمويلي وأحد أعراضه، وأعني جزئية "الموازي" وإلغائه. وللحديث بقية.

*رئيس مجلس أمناء جامعة اليرموك

التعليق