مصدر: الوزارة تعيد حساب فرص العمل المكررة

تحقيق لـ"الغد" يكشف مبالغات بأرقام "حملة التشغيل"

تم نشره في السبت 14 أيار / مايو 2016. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 15 أيار / مايو 2016. 08:04 صباحاً
  • كشف بأسماء مشتغلين عبر الحملة الوطنية تواصلت معهم "الغد" مع نتائج الاتصال-(الغد)
  • رسم تعبيري يظهر خمسة أشخاص يحاولون الانتحار بريشة الزميل إحسان حلمي

رانيا الصرايرة

عمان - جاء وقع خبر محاولة خمسة شبان الانتحار بسبب البطالة، يوم الأربعاء الماضي، صادما للأردنيين، إذ طفا على سطح النقاشات المجتمعية بين متعاطف ومستنكر، مع توافق جماعي بأن البطالة في الأردن أصبحت "وحشا يبتلع أعدادا كبيرة من الشباب"، في ظل عدم وجود خطط حكومية جدية للتصدي للظاهرة.
وأثار هذا الخبر النقاش حول فاعلية الحملة الوطنية للتشغيل، التي تنفذها وزارة العمل منذ ثلاثة أعوام، انسجاما مع الاستراتيجية الوطنية للتشغيل، التي تؤكد أرقامها الصادرة عن الوزارة بأنها "نجحت بتشغيل أكثر من 26 ألف عاطل عن العمل".
غير أن استطلاعا ميدانيا، أجرته "الغد" على مدى الأشهر الخمسة الماضية، أظهر خللا في طريقة التعامل مع هذا الملف من عدة زوايا، منها اتجاه الوزارة لتوفير فرص عمل في قطاعات غير مغرية، أو لا يتحمس لها الأردنيون، نظرا لتدني الرواتب، وعدم توفر شروط العمل اللائق فيها، ما يعني أنه حتى ولو عمل الباحث عن العمل فيها فإنه لا يستمر، ويعود من جديد إلى دائرة البطالة.
أرقام متكررة
تواصلت "الغد" مع 76 باحثا عن العمل، حصلت على أسمائهم وأرقامهم من كشوفات وزارة العمل ممن عملوا عبر الحملة الوطنية للتشغيل، ليجيب 43 منهم على هاتفه النقال، في حين كانت الأرقام المتبقية إما مفصولة أو مغلقة أو ليست للمذكور اسمه في الكشف، فيما تبين أنه من ضمن الـ43 المستجيبين للاتصالات، ترك 16 منهم العمل بعد فترة تراوحت بين يومين و45 يوما.
وانحصرت أسباب ترك العمل بين "تدني الراتب" وعدم تغطيته للضروريات الأساسية للعامل، وبذلك يشعر بأن بقاءه في البيت خيار أفضل، خاصة بظل اضطراره لدفع بدل مواصلات وطعام خارج البيت.
كما قال بعضهم إنه "عانى من وجود انتهاكات في مكان العمل، مثل تعامل أصحاب العمل بطريقة غير لائقة، كالصراخ على الموظفين وشتمهم، أو الخصم من رواتبهم لأسباب واهية، كالتأخر عن العمل لدقائق قليلة أو الخروج للتدخين".
أما المفاجأة، فكانت عندما تم سؤال الـ43 فيما إذا كانو اشتغلوا عن طريق الحملة الوطنية للتشغيل، فأجاب 17 من الـ27 الذين ما زالوا على رأس عملهم، أنهم "لم يسمعوا بهذه الحملة ولم يشتغلوا عن طريقها، كما أكد الشيء نفسه 11 من الـ16 الذين لم يستمروا في العمل".
وعندما سئل من قالوا إنهم "لم يسمعوا بالحملة الوطنية للتشغيل"، كيف وجدوا فرصة العمل، أجاب أغلبيتهم بأنهم تقدموا بطلبات مباشرة لموقع العمل، أو عن طريق علاقات شخصية ومعارف وأقرباء.
ولدى البحث الميداني لمعرفة السر وراء عدم معرفة الباحثين عن عمل بالحملة الوطنية للتشغيل، رغم أن أسماءهم وأرقامهم موجودة ضمن جداول وزارة العمل، التي تؤكد أنهم عملوا ضمن الحملة، تبين من خلال زيارة أصحاب شركات وموظفين في وزارة العمل ومطلعين على هذا الملف أن الوزارة ، ومن ضمن إجراءاتها لتجديد تصاريح العمل للعمال المهاجرين الذين يعملون في بعض المصانع والشركات، "تطلب من صاحب العمل إحضار كشف بأسماء الأردنيين العاملين في شركته، للتأكد من التزامه بتشغيل ما لا يقل عن %20  منهم".
كما تطلب الوزارة من أي شركة تود الانضمام للقائمة الذهبية التابعة لها كشفا يضم أسماء موظفيها للتأكد من تسجيلهم في الضمان الاجتماعي.
ويؤكد مصدر مطلع "أن وزارة العمل تضيف هذه الكشوفات الى قائمة العاملين ضمن الحملة الوطنية للتشغيل، وهذا ما يفسر عدم معرفة الباحثين عن عمل بهذه الحملة".
أما الأمر الآخر الذي كشف ضخامة الرقم الذي أعلنت عنه الوزارة والمتمثل بنجاحها بتشغيل ما لا يقل عن 26 ألف باحث عن عمل خلال الحملات الأربع التي نفذتها على مدى ثلاثة اعوام والمستمرة حتى الآن، فكشفه المصدر نفسه وأكدته إعلانات صادرة عن الوزارة منشورة في وسائل إعلام محلية، حيث يتبين من متابعة إعلانات الوزارة أن هناك تكرارا للإعلان عن حاجة شركة ما لموظفين.
ويقول المصدر إن الوزارة "بذلت جهودا كبيرة للتشبيك مع أغلب الشركات في الأردن، وبذلك عندما تتوفر لدى هذه الشركات فرص للعمل فإنهم يتواصلون مع الوزارة لتعلن الأخيرة عن توافرها، وبما أن أغلب الشركات والمصانع تعلن عن فرص عمل غير مرغوبة من قبل الأردنيين نظرا لعدم توفر شروط العمل اللائق بها، فإن نسبة ترك مكان العمل مرتفعة جدا في هذه الشركات، ما يضطرها لتكرار تواصلها مع الوزارة طالبة تأمين موظفين لها".
ويضيف "ما يحدث في الوزارة أنها تعيد حساب فرص العمل المكررة، ما يعني أن فرصة العمل الواحدة قد تحسب ست أو سبع مرات، وهو ما يجعل الرقم المعلن عن أعداد المشتغلين ضخما".
مبررات أصحاب عمل
مدير منشأة كبيرة قال، لـ"الغد"، إنه "يجد صعوبة في تشغيل أردنيين في منشأته، نظرا لعدم إقبالهم على العمل فيها، وهو يعلم أن ضآلة الراتب تمنع الأردني من العمل لديه، لذلك يضطر لتشغيل المهاجر كونه أقل تكلفة عليه، فهو أيضا لا يستطع تحمل دفع رواتب أعلى لأنه سيخسر، كونه يدفع الكثير من الضرائب وغيرها من مستلزمات فتح استثمار، لكنه مضطر لتوفير ما لا يقل عن 20 % في منشأته من الأردنيين عملا بأنظمة وزارة العمل".
وأضاف "كل فترة أتواصل مع الوزارة لأطلب عمالا أردنيين، وتؤمن لي عمالا، لكن أكثر من 90 % منهم لا يستمرون في العمل، فأعاود طلب عمال جُدد".
أما وزارة العمل، وعلى لسان ناطقها الإعلامي محمد الخطيب، فأكدت أنها تبذل جهودا "جبارة" للتشبيك بين صاحب العمل والعامل، وبالتالي "من حقها أن تقول أنها أمنت هذا العدد من الوظائف"، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع إجبار الموظف على الاستمرار في عمله.
وفي هذا الصدد، يقول الخطيب "نحن لسنا رقباء، وينتهي دورنا بتأمين فرصة العمل"، مضيفاً إن الفيصل في عملية ازدياد فرص العمل من عدمه هو عدد المشتركين في الضمان الاجتماعي.
لكن مصدرا موثوقا بالضمان قال إن "سوق العمل الأردني يوفر كل عام بين 50 ألفا الى 60 ألف فرصة عمل، وبأن أرقام المشتركين في الضمان الاجتماعي هي ضمن هذه النسب، ولا أعتقد أن حملات التشغيل ساعدت فعلا بخلق فرص عمل جديدة".
وتشير أرقام "الضمان" إلى أنه حتى نهاية العام الماضي بلغ عدد المؤمنين إلزاميا 1.4 مليون مشترك ومشتركة.
البطالة والسياسات الاقتصادية الخاطئة

 مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية احمد عوض يؤكد ان وزارة العمل باعتبارها الطرف الحكومي المعني بسياسات العمل فشلت في التعامل مع ملف البطالة في الاردن، مؤكدا انها تصر على لعب دور وكالات التوظيف بالربط ما بين أصحاب العمل وطالبي الوظائف، في حين ان دورها يجب أن يتركز على رسم سياسات التشغيل وانفاذها، وايجاذ حلول جذرية لمشكلة البطالة وليس "الاستعراض بارقام وهمية للتشغيل".

ويؤكد عوض "ان المتابع لطريقة عمل الحملات الوطنية للتشغيل، يتأكد ان فرص العمل التي تقول الوزارة انها استحدثتها وأعداد العاملين الذين شغلتهم، هي فرص عمل اساسا موجودة في سوق العمل، ولا اقبال عليها من قبل الأردنيين بسبب ضعف شروط العمل فيها، بدليل ان غالبية من تم توظيفهم فيها لم يستمروا في العمل."

ويقول عوض"مشكلة البطالة معقدة وسببها الرئيسي ضعف قدرات الاقتصاد الوطني وعدم قدرته على توليد فرص عمل جديدة ولائقة، وتنفيذ سياسات حكومية خاطئة استمرت اكثر من عقدين ونصف"، مبينا ان السياسات الحكومية التي اعتمدت تحرير التجارة الخارجية من خلال توقيع العديد من اتفاقيات التجارة الحرة غير العادلة مع دول ومراكز اقتصادية قوية، أدت الى تخريب العديد من القطاعات الصناعية التي كانت تشغل عشرات الآلاف، وتولد ألاف فرص العمل سنويا، ومثال ذلك صناعة الألبسة والجلود والأحذية والمواد الغذائية والبلاط والسيراميك ومؤخرا الحديد، رافقه فرض اعباء اضافية على العديد من القطاعات الاقتصادية، مثل الضرائب بأنواعها وارتفاع أسعار مدخلات الانتاج المختلفة. الى جانب ذلك الفوضى التي يعاني منها سوق العمالة الوافدة (المهاجرة) بسبب عدم قدرة الوزارة على تنظيمه، وضعف نظم التفتيش والرقابة، يضاف الى ذلك ضعف شروط العمل وخاصة الأجور التي تلقي بظلالها على تشجيع الشباب على الانخراط في سوق العمل في العديد من القطاعات.

ويرى عوض في حادثة اقبال خمسة اردنيين على الانتحار بشكل جماعي طلبا اعتراضا على بطالتهم، رسالة لاصحاب العلاقة تقول ان "الامور وصلت الى حد خطير" وعليهم التنبه لذلك.

من جهتها، تقول مديرة منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية "أرض العون" سمر محارب "من خلال عملنا مع فئات مختلفة من الشباب في الأردن، كانت البطالة الهم الأكبر لهم، ليس فقط لحاجتهم للموارد المالية وإنما لرغبتهم باستثمار طاقاتهم وتكريس وجودهم الإنساني الطبيعي كأعضاء فاعلين في مجتمعاتهم، وقيامهم بدورهم تجاه عائلاتهم، والحصول على فرصة عادلة تمكنهم من صوغ مستقبلهم والعيش بكرامة".
وتضيف إن اللافت في تطورات اليوم أن أسلوب التعبير تطور، معتبرة أن محاولة الانتحار "مؤشر يدفعنا للحذر من اتجاه الشباب إلى أساليب تتسم بالعنف والقسوة للفت النظر لمطالبهم، وجعل أصواتهم مسموعة من قبل الإعلام أكثر".
وتؤكد محارب أنه "رغم سعي الحكومة الدائم لتأمين احتياجات الشباب وفتح المجال أمامهم للتعبير من خلال عدة منابر، ومحاولة إشراكهم في عملية صنع القرار عن طريق خلق فرص الانخراط في العمل المجتمعي والعمل العام، إلا أن الظروف السياسية في المنطقة التي أثرت على سوق العمل الأردني، والسياسات الاقتصادية المتبعة للتصدي لهذه الأزمة، والتي بات المجتمع يتحسس مدى ضعف إنتاجيتها، أدت إلى تفاقم المشاكل التنموية والاقتصادية".
وتوضح أن ذلك "يدفعنا للتفكير بحلول عاجلة وجديدة لتعزيز الثقة أكثر بين الشباب وصانعي القرار، بعيدا عن التقليدية في التعاطي مع هذا الموضوع".
بدورها، تؤكد مديرة مركز تمكين للدعم والمساندة لندا كلش أن "أرقام البطالة تتزايد في الأردن بشكل متسارع، رغم الأرقام التي تعلن من خلال الحملة الوطنية للتشغيل، وأن لذلك سببين، إما أن ظروف العمل طاردة لمن يلتحق بهذه الأعمال من خلال الحملة، وإما أن الأرقام المعلنة غير حقيقية".
وتضيف "كان ينبغي أن تعمل الدولة على خلق فرص عمل جديدة، وأن تشجع الاستثمار والصناعات المتنوعة، ولكن بدلا من ذلك عملت على تطفيش المستثمرين القائمين والمحتملين، وبدلا من أن توفر فرص عمل تساعد في خفض رقعة البطالة، نلاحظ أن سوق العمل يعاني من فوضى شديدة، ويجب أن تكون هناك دراسة واسعة للسوِّق حتى يتم ربطها بمخرجات التعليم".

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليستقيل الوزير (د. خالد ابو خضره)

    الأحد 15 أيار / مايو 2016.
    لو حدث هذا في أي حكومه تحترم نفسها لطلب من الوزير الاستقاله فالتضليل ونشر معلومات غير صحيحه جريمه لا تغتفر واخلاقيا الوزير مسؤول عن هذا
  • »الصدف اقصر طرق الوصول ؟؟؟؟ (خالد تادعجه)

    الأحد 15 أيار / مايو 2016.
    اعتقد كمواطن اردني انه لم يعد هناك مجال الا للصدق والصراحة دون مكياج في غير محله , البدء اليوم افضل من البدء غدا . رسالة الى كل مسؤول ...
  • »مهنيه عاليه (متابع)

    الأحد 15 أيار / مايو 2016.
    تقرير مهني رائع وهذا هو دور الصحافة الحقيقي ومن هنا سميت بالسلطة الرابعه وللأمانه فإن جريده الغد صحيفه مستقله قولا وفعلا متمنيا الاستمرار بخطكم التحريري المستقل