فهد الخيطان

"سايكس بيكو"..الرحمة على روحه

تم نشره في السبت 21 أيار / مايو 2016. 11:07 مـساءً

منذ أن خطت اتفاقية "سايكس بيكو" حدود المشرق العربي، لم تنفك شعوبه عن الاعتقاد بأن الاتفاقية مؤامرة جرى تدبيرها لقتل الحلم العربي في الوحدة والتحرر.
لم تتوقف المحاولات للانفكاك من قيد "سايكس بيكو"، لكن بعيد كل وحدة تنهض ثم تسقط كانت الشعوب تزداد انكفاء على الدولة القطرية.
ظل المشرقيون على هذه الحال حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي؛ فبرحيل الرئيس المصري جمال عبد الناصر، تبددت نهائيا أحلام الوحدة، وتعززت شرعية الهويات القطرية.
كان البعثيون قد وصلوا إلى السلطة في العراق وسورية، وبخلاف وعودهم بقيادة مشروع الوحدة العربية، اقتتلوا فيما بينهم، فسادت القطيعة بين القطرين.
توالت الأحداث في المنطقة؛ الأردن استقر مملكة على الضفة الشرقية، بعد أن ضرب مشروع الوحدة في الصميم، بضياع القدس. لبنان وقعت تحت الحكم السوري، والعراق دخل عالم المجهول منذ المواجهة الكارثية مع إيران. مصر صارت في عهدة "كامب ديفيد" وشرعت في إعادة ترميم هويتها الفرعونية.
عمليا فقدت "سايكس بيكو" وصفها كمؤامرة غربية، وتبدت واقعا موضوعيا، اكتسب شرعيته القطرية، وصار لها تقاليد كسائر القطريات الوطنية في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. وساهمت عقود الحرب الباردة، وانقسام الدول العربية بين معسكريها إلى محو آثار التقسيم الفرنسي الإنجليزي لتركة الرجل العثماني المريض.
وباستثناءات محدودة في الخطاب السياسي العربي، لم يعد أحد يسأل عن شرعية دول بلاد الشام ولا حتى الهلال الخصيب، بعدما نالت الاعتراف الدولي.
كان تذكر الوحدة حنينا مجردا من المعاني. ظل هكذا في الوجدان بلا وقائع تاريخية تدعمه. من أين نتأتي بالوقائع والمنطقة كلها كانت تحت الحكم العثماني لأربعة عقود متتالية؟
أقطار تجمعها هويات مشتركة؛ اللغة والدين والتاريخ، لكنها ليست كيانا واحدا ولاتستطيع أن تكون. ومع مرور الوقت تعزز الشعور بالهوية القطرية؛ سورية وأردنية ولبنانية وفلسطينية. وبدا مستحيلا لشعوب تلك الأقطار التنازل عن هوياتهم القطرية لحساب مشروع وحدوي يطمس سماتهم الخاصة. وأكثر ما يمكن الطموح إليه وحدة على غرار الاتحاد الأوروبي، تدمج الاقتصاديات الوطنية، وتوحد العملة، وتفتح الحدود، دون أن تلغي هويات الدول.
لم يحدث ذلك بالطبع، وليس في الوارد حصوله في المستقبل المنظور. على المدى القريب، ثمة ماهو أخطر من"سايكس بيكو" وحكم المستعمر الأجنبي. الأقطار التي صمدت لمئة عام مرشحة للتفكك من داخلها. الدولة الواحدة تتحول إلى دويلات صغيرة، يعجز أمهر الفنانين عن رسم خطوطها وحدودها. دويلات بلا ملامح، ولا جوامع. اللغة لهجات، والدين طوائف، والتاريخ أبدا ليس واحدا ولا المصير كذلك.
المشرق العربي يعود إلى زمن الرجل المريض؛ إلى ماقبل "سايكس بيكو". دول مستباحة بالجيوش الأجنبية، وبالمليشيات المرتزقة، يحكم السفاحون والقتلة مدنها وبلداتها. حاكم لا يقدر على حماية مكتبه في بغداد، وجمهورية بلا رئيس، تعجز أجهزتها عن جمع القمامة من الشوارع، رئيس يحكم ربع عاصمته. ومرتزقة إرهابيون ينضمون قريبا إلى منظمة "أوبك".
زمن"سايكس بيكو" انتهى، الرحمة على روحه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عن اتفاقية سايكس بيكو وملاحقها (أحمد العربي- عمان)

    الأحد 22 أيار / مايو 2016.
    ليسمح لي الكاتب المحترم بالاختلاف معه حول ما اسماه " الاعتقاد" بان الاتفاقية مؤامرة, ففي هذا الجانب وبعد انتصار الثورة البولشفية- 1917 فان زعيمها لينين وفي خطابه المسمى " الى شعوب الشرق" قام بالكشف عن الاتفاقية والتي كانت نسخة منها محفوظة لدى القيصرالروسي . لكن القيادات العربية تعاملت بالهزء مع تلك الوثيقة وجرى ما جرى من تقسيم واستعمار وانتداب. اما عن " ملاحق" الاتفاقية فقد جرت على الارض حين تم استبدال الاستعمار او الانتداب البريطاني - الفرنسي بالحضن الامريكي الذي لم يكن وفيا تماما فلقد احتل العراق مستندا الى اكاذيب وساعد ثورات ملونة سميت بالربيع العربي نتتائجها الماساوية في ليبيا واليمن وسوريا وهذه المرة اسخدمت " قفازات" الاعراب في قتال اخوة التراب وغابت اسرائيل عن المشهد . لا بل وجدت من يمني النفس بتكنولوجيتها المفترض تزاوجها مع الثروة لتصنع " ميلادا " جديدا للمنطقة , ولن ننسى ايضا ما تتعرض له دولة عربية محورية من تهديدات قانون ضحايا غزوة سبتمبر في امريكا مما يهدد الثروة والمستقبل.. لا سمح الله. اخيرا , فان العراق قبل احتلاله تلقى عرضا بالاتفاق مع اسرائيل لايقاف الهجمةالمقررة ,وتلقى اخوة التراب في سوريا ذات العرض.. ولم تنته القصة هذه المرة والارجح حتى الان سيتمثل في رحيل الامريكان وتراجع العربان وكل من يبشر بالطائفية من الغربان.
  • »مقال رائع و واقعي (خلدون)

    الأحد 22 أيار / مايو 2016.
    سيدي العزيز وضعت يدك على الجرح، نعم نحن شعوب نقسم انفسنا بانفسنا دون الحاجة لقسيمنا من احد.
    على ما يبدو لقد اقتنع العالم بان رفعة الامم بالعلم فقط، فانكبوا على العلوم و الجامعات و تعلموا من الماضي و سبقونا بسنوات ضوئية، نحن لم نتعلم من التاريخ و مازلنا نمجد بتاريخنا المزيف و محاولة اعادة الماضي لنعيشه في الحاضر، ماذا تتخيل ان يحصل لامة منعت عنها الطباعة ايام الدولة العثمانية 250 عام، هذه الامة لحد الان لا تقرأ
  • »"لارحمة على سايكس ولا بيكو" (يوسف صافي)

    الأحد 22 أيار / مايو 2016.
    ولوج غير موفق استاذ فهد ومقارنة اضطرادية لم تلامس حقيقة الحال ولا الأسباب ؟؟سايكس بيكو تم رسمها تمهيدا لتنفيذ وعد بلفور بولادة الكيان الصهيوني في ظل تفتيت الأمة ؟؟وما يجري الآن بعد انتهاء صلاحيتها حيث طفرة الشعوب من أجل التغيير وخلع عباءة التبعية ولوجا لبناء الذات وإستقلال القرار(تجاوزت الحدود وجوازات السفر نظرا لسهولة التواصل ) من صمّموا سايكس بيكو يعملوا على تصميم خريطة جديدة مهدّوا لها بدمار العراق الشقيق وقوننة دستور برايمر سيئ الذكر كنواة لنسج الخريطة الجديدة وفق خيوطه الرديئة من "الأثنية والعرقية والمذهبية " وهاهم يحرقوا المنطقة بحرب مصالحهم القذرة (الفوضى الخلاقّة) ولوجا لشرق كوندليزا رايس (اوسط جديد ) وتنفيذا لرؤية نبي الصهاينة الجدد بوش الأبن الذي دمّرالعراق بأمر من الرب؟؟؟؟ حتى يأمن وليدهم الغير شرعي الكيان الصهيوني ويسرّع في الوصول لدفينه من "النيل للفرات"؟؟؟"ولاراد لقضاء الله بل اللطف فيه"
  • »كللام صحيح (محمد)

    الأحد 22 أيار / مايو 2016.
    للأسف.. مقال رائع وواقعي