إبراهيم غرايبة

مؤشرات إلى الفشل في التخطيط

تم نشره في الأربعاء 25 أيار / مايو 2016. 12:06 صباحاً

استكمالا لمقال "مؤشرات إلى الفشل الاقتصادي" ("الغد"، 12/ 5/ 2016)، تعرض هذه المساحة مؤشرات الفشل في التخطيط، بما هو إدراك واع لما نرغب فيه، ثم إدارة وتنظيم الموارد باتجاه هذا الإدراك. والحال أنه تعريف يكشف عن طبيعة واتجاه الوعي الكامن أو العقل الباطن في قيادة الدول والمجتمعات والأسواق، وليس فقط مستوى الكفاءة والمعرفة. فالسؤال البدهي الحاكم في مراجعة وتقييم المشروعات والسياسات هو: من يستفيد منها ومن لا يستفيد؛ لمن توجه هذه الموارد؟ ثم، وفي سؤال ناشئ عن السابق: هل هي برامج وسياسات وموارد موجهة إلى جميع المواطنين، بعدالة وكفاءة؟
في مبتدأ التشكل الذي استخدم مفتاحا لملاحظة الفشل الاقتصادي، يمكن أيضا في مراجعة التخطيط النظر إلى المدن والبلدات والأحياء في واقعها، وملاحظة الفشل في تخطيطها، ومتوالية الفشل في العلاقات والمؤسسات الناشئة عن هذا التشكل. إذ يفترض، وببساطة، أن تكون المدن والبلدات والأحياء والشوارع والأرصفة والمرافق والمؤسسات والخدمات والأسواق الناشئة، تحكي ببداهة أسلوب تشكل الناس وحياتهم؛ أن يكون في مقدور الساكنين والأطفال أن يمشوا في أحيائهم بأمان وسهولة، بمعنى أن تكون الأرصفة والشوارع مصممة للناس على اختلاف أعمارهم وفئاتهم، وأن يكون في محيط الساكنين وضمن قدرتهم على المشي على أقدامهم؛ مدارس للأطفال، ومركز صحي، ومكتبة وحديقة، وناد رياضي ثقافي اجتماعي، وسوق استهلاكية وخدماتية.
وتتشكل المدن وتنتشر وتمتد على مدى الوطن في حدود مدينة يسكنها حوالي مائة ألف نسمة، وتحيط بها بلدات في حدود خمسمائة ألف ساكن، يفترض أن تكون لديهم جامعة ومستشفى متكاملة قادرة على خدمتهم، وشبكة من المدارس والمراكز الصحية والاجتماعية، وأن يكون في مقدور المواطنين في هذا المحيط الاكتفاء تماما بالمراكز والخدمات المتوفرة، وأن تنشأ أسواق وموارد تجعلهم قادرين على مواصلة الحياة والعمل في مدنهم ومحافظاتهم وللأجيال من بعدهم، بلا حاجة إلى الهجرة أو الانتقال إلى المركز أو خارج البلاد. وبذلك، فإنه يُستدل على فشل التخطيط في اتجاهات الهجرة والإقامة.
لا يكفي وجود المشروعات والمؤسسات، إن وجدت؛ ولكن يجب أن تشارك المجتمعات في ملكيتها وفي ادارتها والولاية عليها. وأسوأ فشل يمكن أن يقع فيه التخطيط، هو أن تقام مشروعات أنيقة معزولة في المحافظات والبلدات لا يستفيد منها أحد من المواطنين، بل ويشعرون تجاهها بالنقص والغيظ. وأسوأ من ذلك أن تكون حصة المواطنين في هذه المشروعات وظائف بسيطة، وأن يبالغ القائمون عليها بالإشارات الفجة في وسائل الإعلام المليئة بالعجرفة والمن والأذى... ووصفهم بالسكان المحليين!
لا قيمة كبيرة لمشروعات الطاقة المتجددة التي يجري بناؤها إذا لم تكن شركات مساهمة يشارك فيها عدد كبيرة من المواطنين، وأن تكون شركة خاصة بالمدينة والمنطقة وأهلها؛ يملكونها ويوجهونها أساسا للحصول على احتياجات المدينة والمنطقة من الطاقة. ويفترض أن الأهالي الذين شاركوا بمئات ملايين الدنانير في البورصات، وبنوا عشرات المساجد والمضافات في بلداتهم ومحافظاتهم، قادرون على أن ينشئوا شركات للطاقة والمياه والصناعات الملائمة والمستمدة من الموارد والفرص المتاحة في مناطقهم!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تفاضل (محمد عوض الطعامنه)

    الأربعاء 25 أيار / مايو 2016.
    اغلى ما في هذه المقالة من صراحة ، وكل حرف فيها يستحق الثناء ، ما جاء بتقاعس الناس ، الكثير من الناس عن التفاعل والحماس لإقامة المشاريع التي توفر لهم خدمات عصرية متجددة
    وحماسهم المتسرع بالمقابل للتبرع لبناء المضافات والمساجد مع عدمية الفائدة من الأولى وكثرة وقدسية اعداد الثانيه .
  • »حبذا لو كان هناك من يسمع (أحلام)

    الأربعاء 25 أيار / مايو 2016.
    عين الصواب والمنطق. ما يدمي القلب هو أننا ندرك ونؤمن بكل كلمة ذكرها الكاتب ولكن ما في اليد حيلة. إرادتنا كمواطنين مشلولة لأن لدينا أولويات مثل مشاهدة مسلسل تركي أو جلسة ارجيلة . نؤمن بأن هناك حكومة اعضاءها من الجان لديهم القدرة على عمل المستحيل ولهم توكل كل المهمات ونحن كمواطنين واجبنا أن نأكل ونشرب ونستمتع دون بذل أي مجهود مهما كان بسيطاً حتى لو كان في ركل قشرة موز على الرصيف لجانب السور لكي لا يتزحلق بها مواطن بائس ضعيف النظر مثلاً أو أن نلفت انتباه نظر مواطن آخر يرمي القمامة في وسط الشارع في وضح النهار بأن ما يقوم به هو جريمة بحق المجتمع والمدنية أو لفت نظر سائق سيارة يصف سيارته في عرض الشارع ليكون أقرب للدكان الذي يريد التسوق منه أن ما يقوم به هو فضيحة أخلاقية.
    إن الاحرى بكاتب المقال ان يكف عن التفكير وطرح الآراء النيرة ويهاجر للسويد أو الدنمارك حيث يقرأ البشر ويتأملون بالحقية المكتوبة ثم يأخذون زمام المبادرة.هناك فقط سيقدر المجتمع ما يكتبه وينصح به.
    الاحباط قتلنا وعلينا أن نتحرك لأن المطلوب بسيط جدا لا يتطلب قوى سحرية .. استخدام القليل من العقل والحد الأدني من المبادرة من قبل المواطنين وعدم وضع العراقيل من قبل الحكومة الرشيدة لكي يكتب لنا البقاء كبشر.