حسن السلوك

تم نشره في الخميس 26 أيار / مايو 2016. 11:03 مـساءً

في ثقافتنا، يسعى الجميع للامتثال لقواعد السلوك العامة، الأمر الذي يقتضي أن يظهر الفرد شيئا من الحياء والخجل، ودرجة من التدين. الأطفال يحيّون الكبار ويظهرون قدرا من الاحترام للتقاليد، والشباب لا يدخنون في حضور الكبار ولا يرفعون أصواتهم، كما لا يخالفون علنا الآباء والكبار والشيوخ. والمرؤوسون لا يبدون آراء أو ملاحظات تخالف رغبات وتوجهات الرؤساء.
وفي الأعياد والمناسبات، يُظهر الجميع احتراما للتقاليد والرموز والشعائر والطقوس التي تؤمن وتلتزم بها الجماعة. وفي كثير من الأحيان، يقضي الأفراد عشرات السنوات في مؤسسة واحدة، أو يعيشون في مبنى واحد أو حي واحد، ولا يعرف أي منهم الكثير عن الآخر سوى أنه شخص محترم ويذهب للمسجد.
وإظهار الالتزام في العلن لا يعني أن الفرد يحترم القواعد ويؤمن بها، لكنه يبدي الالتزام ليحظى بالقبول والرضا. ومن المؤكد أن للقواعد العامة أهمية في لجم الرغبات الفردية، ودفع الأفراد إلى التماسك والترابط ضمن وحدات وأنساق يتشابه أعضاؤها في اتجاهاتهم وتصرفاتهم وربما تفكيرهم، لكن ذلك لا يلغي إمكانية المعارضة والانتقاد، وربما المخالفة في الخفاء.
اليوم، لا يُقبل عضو جديد في جماعة رسمية أو طوعية إلا بعد أن يثبت حسن سلوكه، أو بعد أن تستقصي الجماعة، لتتحقق بأن أخلاق وممارسات الفرد لا تشكل خطورة على بناء وتنظيم الجماعة الجديدة. على الصعد الرسمية، تتولى المنشآت والمؤسسات رصد وتدوين مخالفات الأفراد وانحرافاتهم عن القواعد والقيم، وتحفظها في سجلات خاصة يجري استدعاؤها وتضمينها للشهادات التي تصدر عند انتقال الفرد من جماعة لأخرى.
يختلف مفهوم حسن السلوك وتتباين معاييره واشتراطاته من مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى، وحسب المهن والمجالات التي يلتحق بها الأفراد. في الثقافة الأردنية، لا يتوقع من أصحاب السلوك الحسن أن يعبروا عن الآراء والمواقف التي تتولد لديهم، إذا ما كانت تعارض أو تخالف آراء ومواقف الكبار والرؤساء. لذا فإن الأشخاص يقايضون مباركتهم للأفكار والمقترحات التي يقدمها الكبار ومن هم في موقع السلطة، بقبولهم والرضا عنهم والإشادة بسجاياهم وحسن تصرفهم وسلوكهم.
المحافظة على التقاليد وتحصين المجتمع ضد التغيير هما ما تسعى النظم التقليدية إلى تحقيقها بصيغ مختلفة. والأفكار الجديدة والمقترحات التي قد تغير الواقع مرفوضة، وقد تدخل أصحابها في عداد المشاغبين أو من لا يتصفون بحسن السلوك.
الكثير من تمارين العصرنة والتغيير في الجماعات التقليدية شكلية وغير جادة، البعض منها يأتي كمحاولة لإظهار قدرة الجماعة على التفاعل مع الأدبيات والثقافة العالمية، والبعض الآخر يكون جذابا ومحكما على الصعيد النظري ومشوها وهجينا على مستوى التطبيق.
في نظام العولمة الأمنية الجديدة، أصبح جميع الأفراد الذين يتحركون خارج حدود مجتمعاتهم المحلية معنيين بإثبات حسن سلوكهم. في كل أرجاء العالم هناك مؤسسات عملاقة تعنى بتتبع الأشخاص وجمع المعلومات وإصدار الشهادات بحسن سلوك الأفراد.
في بعض النظم السياسية التي ترفع شعارات التعددية والاستيعاب والأحزاب، تقتصر المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار وإدارة المجتمع على فئة واحدة من نفس النوع واللون، فيما بقية الأفراد والجماعات يدرجون في قوائم سوداء وبرتقالية وصفراء ليجري استبعادهم أو التضييق عليهم.
في القرن الماضي سادت في الكثير من مجتمعاتنا العربية حالة الحزب الواحد والشعار الواحد والنهج الواحد، ولم يكن في العديد منها متسع لقول ما يخالف رأي القائد أو الزعيم. وقد كان من نتائج ذلك تفريغ المجتمعات العربية من الكفاءات والعقول تحت مبررات وذرائع المعارضة ومناوءة الأنظمة التي تجمدت وتحجرت وتسلمت إداراتها طبقة ممن احترفوا تجميل الواقع وتحصين النظم ضد التطور والتغيير، والإبقاء عليها بالصورة التي لا تشكل تهديدا لامتيازاتهم ومكاسبهم.
اليوم، وفي زمن التعددية والتنوع، من المفيد للجميع تشجيع ثقافة الاستماع والمصارحة، وإيجاد قواعد واضحة لإدارة التنوع واستيعاب الاختلاف. فنجاح المجتمع في الحصول على المباركة العلنية لقيمه ومقترحاته لا يعني بالضرورة أن القوم في السر مثل القوم في العلن.

التعليق