د.باسم الطويسي

عالم متطرف آخر يتشكل

تم نشره في السبت 28 أيار / مايو 2016. 12:07 صباحاً

في الوقت الذي يزداد فيه حصار التنظيمات المسلحة المتطرفة، سواء في سورية أو العراق أو اليمن أو في أفريقيا، يزداد العالم في المقابل تطرفا بطريقة أخرى، وتحديدا المجتمعات الديمقراطية أو التي تصف نفسها بالديمقراطية. فما عودة المتطرف أفيغدور ليبرمان للحكومة الإسرائيلية وتعيينه وزيرا للدفاع، وهو القائل إنه "سيضع العرب في المفرمة ويخرجهم لحمة مفرومة"، وهو الذي أيد وأبدى إعجابه بإطلاق النار من قبل جندي إسرائيلي على طفل فلسطيني، إلا صورة باهتة عن العالم الجديد الذي يتشكل حاليا.
وعلى الجهة الأخرى، وفي مركز صناعة السياسة والقوة في العالم، يواصل المرشح الجمهوري دونالد ترامب صعوده باتجاه البيت الأبيض.
علينا أن نتخيل عالما يحكمة ترامب في واشنطن، وليبرمان في تل أبيب. وعلينا أن لا نتفاجأ بذلك؛ فعالم السياسة يزداد بالفعل تطرفا ويمينية، وهذه المرة بواسطة صناديق الاقتراع وبأدوات الديمقراطية. وعلينا دوما أيضا تذكر أن أكثر النظم تطرفا ودموية في القرن العشرين الماضي قد أتت من خلال صناديق الاقتراع؛ ألم تصعد كل من النازية والفاشية بواسطة صناديق الاقتراع؟
وعلى الرغم من أن ليبرمان كان وزيرا للخارجية في حكومة نتيناهو وخرج منها العام 2015، إلا أن الصفقة الأخيرة مع الحزب اليميني المتطرف "إسرائيل بيتنا"، تجعل هذه الحكومة الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ إسرائيل منذ عقود. وهو ما يثير قلق حتى نخب إسرائيلية، كما حدث يوم الجمعة باستقالة وزير البيئة احتجاجا على إمعان نتنياهو في المزيد من التطرف، وركله العملية السلمية بقدميه، وهو ما يحدث بالفعل برفضه للمبادرة الفرنسية. في المقابل، كان أمام نتنياهو إمكانية عقد صفقة مع حاييم هرتسوغ، زعيم "الاتحاد الصهيوني"، لكن هذا كان سيتطلب منه الالتزام بالعملية السلمية، وهو ما لا تريده النخبة اليمينية في تل أبيب.
يقود رئيس الحكومة الإسرائيلية اليوم تحالفا يمينيا، يعد أكثر الائتلافات الحكومية الإسرائيلية تطرفا منذ عقود طويلة، ويتشكل من ستة أحزاب دينية وقومية. وبدخول ليبرمان الحكومة وزيرا للدفاع وإدارة الأراضي الفلسطينية المحتلة، تزداد حصة الحكومة في البرلمان من 61 مقعدا إلى 67 مقعدا، من أصل 120 مقعدا؛ ما يعني أن نتنياهو وحلفاءه سيتحركون براحة خلال السنوات الأربع المقبلة، إذا ما علمنا أن نظما يمينية لا تخلو من التطرف باتت تصعد في أكثر من مجتمع غربي.
الكيان الذي أسسه العلمانيون، وحكمه اليسار فترة طويلة، وسيطر عليه اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة، خضع منذ نحو ثلاثة عقود لفلسفة سياسية تقوم على دورات الحكم وفق المصالح الصهيونية العليا. فالرجال والنساء البارزون، من رموز اليسار والعلمانيين، قاموا بمهمات تبييض وجه إسرائيل في العالم عبر تاريخها، ومن أمثالهم ديفيد بن غوريون الذي أصبح أول رئيس وزراء لإسرائيل، ثم غولدا مائير، وأبا إيبان، وعايزر وايزمان، واسحق نافون، وشمعون بيريز، وليفي أشكول، وإسحق رابين، وموشيه دايان، وإيهود باراك.
خلال العقود الأخيرة، تبادلت القوى المعتدلة مع قوى اليمين الأدوار في دورات، ضمن استراتيجية تنهض على قيام اليمين بمهام على الأرض، سواء بضم الأراضي المحتلة أو بناء المستوطنات وإعاقة جهود التسوية أو خوض الحروب؛ فيما يأتي اليسار والقوى المعتدلة للقيام بمهام استعادة وجه إسرائيل البراق في العالم. اليوم، يبدو أن منطق دورات الحكم لم يعد ضرورة، حيث يمضي اليمين الإسرائيلي المتطرف بالاستحواذ والمزيد من السيطرة على مقاليد الحكم، ولا يتورع عن تصعيد مجرمين وقتلة؛ سواء لإدارة السياسة أو للتحكم بالجيش والقوة العسكرية.
هل إسرائيل هي التي تتغير، أم أن العالم هو الذي يتغير؟ علينا أن ندرك أن العالم يزداد تطرفا ويمينية، وهذه هي البيئة التي تريدها إسرائيل من أجل تصفية القضية الفلسطينية، فيما ما نزال نتحدث عن كونفيدرالية وغيرها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"تغيير الأدوار" (يوسف صافي)

    السبت 28 أيار / مايو 2016.
    شرحت وأسهبت وأجدت د. باسم وان جازلنا الإضافة "وهل يعقل لسم الأفعى ان يتحول الى حليب كامل الدسم عند تغيير ثوبها القديم بجديده المزركش" وتذكّرني بسؤالي جدتي وهي تغني لحفيدها الصغير"نام بكرة بجبلك جوز الحمام " عن اغنية الجدات اليهوديات اللاتي كنّا يعشن بين أهل فلسطين فأجابة رحمة الله عليها مرددّة بما كانت تسمعه "بكرة بتكبر يافرخي بتحمل بارودة مع الشرخي وبترجع جبل صهيون" وهذا مايرضعونه مع حليب امهاتهم بكل صنوفهم وجنسياتهم (استراجيتهم الجامعة) وان تلونوا يمينا ويسارا ووسطا وهذه صناعتهم قديمها وحديثها؟؟؟؟