صافوط (10)

تم نشره في السبت 28 أيار / مايو 2016. 12:05 صباحاً

صافوط، القرية الوادعة في ثمانينيات القرن العشرين، لم يكن فيها مطعم واحد. كان صعباً الحصول على الفلافل وتوابعه من الحمص والفول الجاهزين، وهي الأطباق الضرورية لكل بيت أردني، وشامي عموماً. لكن أبي وأمي كان عندهما الحل!
توصل أبي وأمي، من خلال عمل مشترك، إلى خلطة الفلافل، المتشكلة من طحن الحمص والفول المجروش والبقدونس والبصل والثوم، معاً، في الطاحونة الصغيرة المخصصة أصلاً لفرم اللحوم. فيما كانت أمي، ذات الثقافة الشعبية الطرابلسية، تتقن أصلاً صنع الحمص البيتي المطحون، بعد طهوه، والمخلوط بطحينة السمسم؛ وكذلك الفول المطهو. وهكذا لم يعان بيتنا من نقص هذه الأطباق الأساسية، ولم يكن أبي مضطراً للذهاب إلى صويلح، التي تبعد مطاعمها عنّا مسافة معتبرة، من أجل ابتياع حبّات الفلافل!
في القرية، يضطر الناس أن يكونوا مدّبرين. كان الجيران، الذين هم فلاحون أصلاً، يتقنون التصرف بالقمح لإنتاج مواد غذائية مختلفة. وكذا الحال بمحصول الزيتون والعنب وغيرهما. ولم يكن صعباً عليهم الاستغناء عن الخبز الوارد من المخابز، وصنعه في بيوتهم، بخاصة في أيام الثلج التي تنقطع خلالها القرية عن العالم الخارجي. وهو أمر تعلّمته أمي التي لم تكن يوماً صنعت الخبز في بيتها!
الحقيقة أن أمي، وهي امرأة تجيد الطهو كمعظم الأمهات في جيلها، استطاعت أن تجمع في بيتنا الأطباق الأردنية والفلسطينية واللبنانية. صحيح أن تلك الأطباق متشابهة في معظمها، إلا أن الجمع بين ما هو متمايز منها، يمنح البيت غنىً فريداً، ويعطي الأبناء إطلالة مفيدة على هذا الوجه المهم من الثقافة الشعبية، يساعد بالضرورة على تقبّل التنوع والانصهار فيه.
لكن هذه الحال الجميلة من "الاكتفاء الذاتي" في القرية، تغيّرت عندما انتقلنا إلى العقبة اعتباراً من أواخر العام 1986. هناك، اختبرت للمرة الأولى "مهارة!" شراء الفلافل من المطعم، بعد الاصطفاف على الدور، وعدّ الحبات بحسب المبلغ الذي يُعطى للبائع! واختبرت طعماً جديداً للحمص والفلافل والفول، الذي تصنعه المطاعم، والذي ظل أبي يقول إنه ليس نقيّاً بما يكفي من حيث المواد الداخلة في تصنيعه؛ إذ يستعملون -بتقديره- ملح الليمون بدلاً من الليمون، ويدخلون الخبز على خلطة الفلافل للتقليل من كمية الحمص المستعملة فيها. وظل أبي يفضّل صنع تلك المواد الغذائية في البيت كلما أمكن ذلك، وتجنّب المطاعم التي لم يكن أقربها يبعد عن بيتنا في العقبة سوى مئتي متر.
هكذا، لم يكن ممكناً لي ولأخي، تذوّق إنتاج المطاعم إلا في الفرصة المدرسية بين الحصّتين الثالثة والرابعة. وقد حسبت لفترة طويلة أن الحمص الذي نبتاعه من المطعم القريب من المدرسة، متقن بشكل أفضل من ذاك البيتي، حتى زرت طرابلس برفقة والدتي، ودخلت أحد مطاعمها مع العائلة وابنة خالتي الطرابلسية "فيروز". وكانت دهشتي كبيرة حين تذوّقت طبق الحمص هناك، إذ كان كطعم الحمص الذي تعدّه والدتي في البيت تماماً!
وأحسب اليوم أن موهبةً يمتلكها أبي في إعداد أطباق من الأطعمة (أخذتُ عنه شيئاً واسعاً منها)، قد ساهمت مساهمةً أساسية في تنويع ما قُدّم لي وإخوتي من طعام بيتي على مرّ السنين، حتى إنه ظل سهلاً على أبي ابتكار أطباق من الطعام لا يعرفها أحد، باتت على قائمة طعام العائلة فيما بعد وكأنها وجبات شعبية متداولة! أظن أن المرأة تكون سعيدة لو حظيت بزوج يتقن إعداد وجبات الطعام، ويتفنن فيها!
المهم أن مفردة "الديلفري"، التي نستعملها اليوم في وصف توصيل الطعام إلى المنازل، كانت مستحيلة الوجود في ذلك الزمان!

التعليق