نادر رنتيسي

نصف ساعة للحياة بشكل طولي

تم نشره في الجمعة 3 حزيران / يونيو 2016. 12:00 صباحاً

وقفتُ في المكان المخصَّص للوقوف المؤقت. آرمة مستطيلة زرقاء، أنبأتني بخط أبيض لا يحتمل أي اجتهاد أنّ الوقوف مسموح بشكل طوليٍّ، لنصف ساعة فقط. قد تكفي هذه النصف ساعة لأذهب إلى صيدليّة “الرحمة” لشراء أقراص لألم مفاجئ في الرأس، وأن أنسلّ بين الزبائن المعروقين في سوبرماركت “الحياة حلوة” لخطف عبوة ماء، لديّ وقت كثيرٌ لتأمُّل وجوه المارّة التعساء والفرحين، والمحايدين، وأنْ أراقبَ طفلة تبدو أقرب إلى الثالثة، تضغط قدمها أثناء مشيها على رباط قدمها الأخرى، فتنحني أمها لربطه، فأشاهدها بوضوحٍ كأنّ وجهها مجسّم للشمس في حصّة العلوم الابتدائيّة، ابتسمتُ لها، وابتسمت لي، وتمنّيتُ لها في قلبي الثقيل النبض، البقيّة من عمري.
والبقيّة من عُمْر مريض بالسرطان أنصاف ساعات في مواقف مؤقتة يشترط فيها الوقوفُ بشكل أفقي، الآرمة الحمراء حذّرتني بخط أبيض غليظ، أنّ الدخول من هُنا ممنوع. عليّ الانتظار إذن حتى يأتي الشرطيُّ، الذي ربّما يكون ريفياً نبيلاً من الغرب أو بدوياً طيّباً من الشرق، ويسمحُ لي بنصف ساعة أخرى دون رجاء، لكنّ الأوامر واضحة في قانون السير، وترتيبه الوظيفي هو عبد مأمور، ولابدّ للنصف الساعة الأخرى أنْ تنتهي أمام سوبر ماركت “الحياة حلوة”، ويعبس الفرحون، ويفرح التعساء، ويميل المحايدون يميناً أو يساراً، أثناء مرورهم الاضطراريّ أمام صيدلية “الرحمة”، وتمشي فتاة طويلة شقراء برباط موثوق، على خط أبيض، إلى الطريق المفتوح.
الإشارة حمراء، في شارع “الجاردنز”. هنا كنتُ قبل عشرين عاماً أمشي في طريق شاقة من عمارة البنك العربيِّ إلى دوّار المدينة الرياضية، هناك سأقفُ منتظراً حافلة متوسطة قادمة من مجمّع العبدلي، لتأخذني إلى وجهات تتبدّلُ كلّ يوم. كنتُ أظنُّ أنّ السيرَ على الأقدام يطيلُ العمر، قرأتُ هذا مكرراً في مجلاّت ممزقة الأغلفة في انتظار دوري لحلاقة الرأس، وكنتُ فقيراً، لكني عند أول انفراج ماليٍّ اشتريت سيّارة ألمانيّة نصفَ عُمْر، وصرتُ بعد سنتين مراجعاً دائماً لعيادات الباطنيّة في الدوّار الثالث. أصبتُ بأمراض تافهة، واحد منها كان يصيبني بالدّوار إنْ وقفتُ على الإشارة الحمراء. زامورٌ حثّني على المشي، الإشارة خضراء، والإشارات الخضراء، تعجّلُ بالوصول. وقد لا يسرُّ مريض السرطان أن يصل.        
وصلتُ إلى مشارف البيت. كان في المسجّلة أغنية لـ “عبد الحليم حافظ”، لم اخترها، فالشّريط يدور منذ نصفين للساعة بأغنيات العندليب القصيرة، وعندما انتبهت إلى صوته المنخفض، كان المغنّي الأسمر التعيس، الذي مات قبل الخمسين بعامين، يغنّي الأغنية الأبنودية: “مشيت على الأشواك”. قرأتُ مرّة أنّه بكى أثناء غنائها على المسرح، والحقُّ معه فهي جنازة استباقيّة، وهو مشى فيها أثناء تصوير الأغنية في فيلم “أبي فوق الشجرة”، أبوه أنزله عن الشجرة في أحداث الفيلم، وصعد إليها، أما أبي فقد سبقني إلى القبر، والأموات ينتظرون من هم على مشارف الموت، خاطر كئيبٌ متوقّع لرجل بعد عُمْر العندليب بعامين، يحملُ ظرفاً بنياً ضخماً فيه أشعة كأنّها ليلة مليئة بالغيوم البيضاء، وأوراق مكتوب عليها خطوط متداخلة كأنّها نوتة.. أقفلتُ المسجلة: “والخوف ملو الدموع”.

التعليق