المخفي أعظم

تم نشره في الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016. 12:04 صباحاً

في كثير من المناسبات التي يلتقي فيها الأردنيون، يتبادلون التحية والاستفسار عن أحوال بعضهم بعضاً بصورة روتينية قلما تتضمن اهتماما فعليا أو اكتراثا لمعرفة حقيقة الأحوال التي يجري السؤال عنها؛ "كيف الحال؟".. "كيف الأوضاع؟".. "طمّني عنك". هي أسئلة عرضية لا تعكس اهتماما حقيقيا للسائل، ولا تؤخذ على محمل الجد من المسؤول؛ فلا الأول مهتم بالإجابة، ولا الثاني مكترث بالسؤال، فالطرفان يعيان أن الموقف عرضي، وأن الأسئلة بروتوكولية لا أكثر.
لكن في حالات نادرة يأخذ بعض الناس السؤال عن صحتهم وأحوالهم على محمل الجد؛ فيسهبون في الشرح والتوضيح وسرد قصص لا يتسع الزمان والمناسبة لتناولها، فيضطر البعض إلى إهمال المتحدث، أو متابعة الاستماع مع إظهار شيء من الضيق والتشتت، في محاولة لإشعار المتحدث بأن يوجز أو يتوقف، لكن من دون فائدة.
وكما في الشأن الخاص، لا تخلو اللقاءات العامة من طرح تساؤلات كبرى في السياسة والاقتصاد والإدارة، كما الإشاعات التي تتناقلها الألسن. وفي معظم الأحيان، يحجم الناس عن الخوض في مثل هذه القضايا، لكن ذلك لا يثني قلة من الحضورعن الحديث وبناء الفرضيات وطرح الأرقام التي يصعب التحقق منها، والاسترسال في الشرح والتوضيح وسوق النظريات التي قد تخدم الأطروحة المعروضة، أو التي لا علاقة لها بالموضوع أحيانا. في مثل هذه الأوضاع، قد يتدخل أحد غير المكترثين، بعد أن يضمن درجة من الهدوء، "يا إخوان! لا تتعبوا حالكم؛ المخفي أعظم".
وعبارة "المخفي أعظم" تحولت إلى نظرية لدى الاقتصادي المخضرم، ونائب رئيس الوزراء، د. جواد العناني؛ فقد كان يفاجئ الأردنيين في كل مرة يجري فيها الحديث في الشأن الاقتصادي والمديونية، بالقول إن هناك نشاطا اقتصاديا وإنتاجا وتفاعلا خارج حسبة الدولة والمؤسسات؛ "اقتصاد على هامش الاقتصاد المحسوب". ويمضي بالقول: إن قيمة الاقتصاد هذا تصل إلى مليارات، وربما تعادل الناتج المحلي الأردني.
ما يقوله د. العناني صحيح. وأنا أتفق معه في وجود أنشطة اقتصادية غير مرصودة، خارج حسبة الدولة وتراخيصها. لكن هذا الاقتصاد الخفي لا يقتصر على تجار "عرائش البطيخ" و"بكبات الخضار" المتجولة، وبسطات الوحدات ووسط البلد، والسيدات اللواتي يستخدمن حقائب السفر لتغذية متاجر ملابس وإكسسوارات.
الاقتصاد الخفي يتمثل أيضا في الأنشطة الاقتصادية التي يقوم بها آلاف من أعضاء الطبقة التي لا حدود لثراء أعضائها، والمتحقق من التجارة والسمسرة والاستثمار وشركات الـ"أوف شور" وغيرها؛ هي مكونات الاقتصاد الخفي الذي يمكن أن يُكشف النقاب عنه إلى جانب البسطات وورش الحدادة المتنقلة و"شنتات" الملابس والإكسسوارات المهربة، وخدمات الطعام التي تديرها أسر من البيوت، وغيرها.
أتمنى أن يوفق د. العناني والفريق الاقتصادي بالنهوض بأوضاع المزارعين، وإيجاد أسواق جديدة لمنتجاتنا، وتوعية المزارعين في سهول الكرك ومادبا وحوران بأهمية استخدام السماد في حقول القمح والشعير، بعد أن يتخذوا الخطوات الضرورية لضم المكون الخفي من اقتصادنا إلى المكون الظاهر، لنصبح في عداد الدول متوسطة الدخل، بعد أن أظهر التعداد السكاني الأخير أن نصيب الفرد من الناتج القومي هو أقل مما كان عليه قبل أن يصل تعدادنا إلى 9.6 مليون نسمة.
في ثقافتنا، ما تزال "الفجوة" بين القول والفعل واسعة. ويدرك كثير من الناس أن الخطابة والبيانات والتحليلات شيء، والأفعال والسياسات والإجراءات شيء آخر. وقد عبّرت الثقافة الشعبية عن ذلك بعشرات الحكم والأمثال والمأثورات الشعبية، من مثل "حكي القرايا ما هو مثل حكي السرايا"، و"كلام الليل يمحوه النهار"، و"يا قصر الإيد على ما تريد".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مواطن (مواطن)

    الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016.
    أبدعت ،
    أحب أن أقرأ لك ،
    صدق وجمال في مقالاتك وحتى في مقابلاتك على الرغم أنك كنت في يوم من الأيام مسؤول ،