رمضان بين سرديتين: عالِمة وشعبية

تم نشره في الخميس 16 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

(1)
ثمة سردية عالِمة، مُثقّفة، حاذقة، للعبادات الطقوسية التي يتأسّس عليها جزء من التديّن الرسمي، مع ما يحتمله هذا التديّن من سَنٍّ للقوانين، تضبط هكذا عبادات، وتحوّلها بالتقادم إلى نوعٍ من الرهبنة الصارمة، بما يفضي إلى تموقعها في أنساق غير قادرة على الحركة المعرفية، مع ما يحتمله عدم الحركة هذا من ثمنٍ باهظ لكلّ من يحاول الخروج على نظامها الداخلي/ الخارجي العتيد. فالحفاظ على ما هو كائن ميزة أساسية لفكرة العبادات الطقوسية التي تأبّدت في تفاسير معصومة، ارتأى فيها "العقل العالِم" أنها كذلك، وثبتّها بالقوة، تحت وطأة العقاب، لكل من يحاول موضعتها في سياق آخر، غير ما هي عليه.
وقد كان للصيام في العالَم الإسلامي أن يتموضع في صيغة نهائية وأخيرة. كان العقل الإسلامي العالِم، أو بالأحرى جزء منه، لاسيما ذلك المعني بالجانب الفقهي من الدين، قد أنجز أطروحة الصيام على المستوى العقلي، وجهّزها للتداول الاجتماعي، مع ما رافق هذا "الإنجاز/ التجهيز" من قوانين، لم تضبط هذه الطقس التعبّدي فحسب، بل حولّته -أيضاً- إلى حدّ فاصل بين الإيمان والكفر، لذا صارت هكذا عبادة طقسية -والتي يفترض أنها شأن خاص بين الإنسان وإلهه- عبادة إكراهية في الجانب الأكبر من مواضعتيها: الذهنية والسلوكية، بما سَلَب الناس حقاً من حقوقهم الوجودية الكبرى؛ أعني ذلك المتعلق بتقرير مصيرهم اللاهوتي في هذا العالَم.
لكن، مقابل تلك السردية العالِمة، المتشدّدة، التي حوّلت العبادات الطقوسية إلى نظام صارم، وإن انطلقت أساساً من سياقات فكرية؛ ثمة سردية أخرى لتلك العبادات الطقوسية؛ هي سردية شعبية، عفوية، اجتماعية، سعيدة، وإن انطلقت أساساً من احتياجات معيشية، استطاعت أن تتحايل -إلى حدّ كبير- على النظام الذي افتعله "العقل العالِم"، وأن تحوّله إلى نظام اجتماعي قابل للتعايش اليومي. فالصيام الذي اقترن بموجب العقل العالِم بحاجات الإنسان اللاهوتية والميتافيزيقية، سيقترن أكثر بموجب العقل الشعبي (في التصنيف الفلسفي؛ روح الشعب بعد الروح المُطْلَقة، والأكثر قدرة على استيعاب نواميس الوجود الإنساني) بحاجات الإنسان الناسوتية والفيزيقية.
(2)
اليوم، إذ استُقبل رمضان في العالَم الإسلامي، فإنّ "العقل العالِم" يستقبله بالفتاوى الصارمة، فيما "العقل الشعبي" يستقبله بحديث أريحي، تحبّبي، تفاؤلي، عن تحضيرات ربّات البيوت لسحور اليوم الأول.
في اليوم الأول، تكثر البرامج الدينية التي يبثّها "العقل العالِم"، ويتناول فيها ثقافة الوعد والوعيد المُتعلقة بطقس الصيام، وحوّاف هذا الطقس من محظورات ومُباحات. وفي اليوم الأول، يتبنّى "العقل الشعبي" ثقافة الجسد، ويكثر من ذهابه إلى الأسواق، سعياً وراء تفجير لمكامن الشهوة الإنسانية التي تنحبس من أذان الفجر إلى آذان المغرب، في حواس مُتحفزة، مُتيقظة، متوترة، مُستفزَة، تسعى -المرة تلو الأخرى- إلى معاينة ثقافة الحرمان في النهار، لكي تتحلّل منها في الليل.
في اليوم الأول من رمضان، تدفق متون السردية الشعبية حول رمضان، ويبدأ الناس -كبيرهم وصغيرهم- بكتابة هذه المتون بشيء من الشغف الفرائحي:
تمتلئ الأسواق -كحدث سنوي مُشتهى ومُنتظر- بمختلف أنواع التمور، وكأنها كانت متوارية بخجلٍ طيلة فترة السنة، وآن لها الآن -مع بداية رمضان- أن تكشف عن فتنتها وتغوي الناس، وتغريهم بتذّوق طعمها الشهي اللذيذ؛ وما أجملها من لحظة ساعة ترى طفلاً صغيراً وهو يمضغ حبّة من التمر بعد صيام يوم طويل، حتى لتخالك تراه يأكل آخرة تمرة في العالَم، نظراً لسعادته البالغة وهو يلوك حلاوتها، ويستمتع بإدخال أول أكل إلى جوفه، بعد غياب طويل عن الأكل. وكذلك شراب التمر هندي، الذي يقترن وجوده عادةً بشهر رمضان، إذ يكثر باعته في مختلف الأماكن، ليذكّروا الناس بعطشهم الذي لا يمكن له أن يُروى إلا بشرب التمر هندي المُبرّد. وَلَكَم هي حسّاسة شُعيرات اللسان في شهر رمضان لشراب التمر هندي، وطعمه الحلو اللاذع. وأيضا القطايف التي يكثر استهلاك الناس لها في رمضان، وكأنها خُلقت لهذا الشهر تحديداً، ولا معنى لها خارجه. فالناس إذ يُقبلون على أكلها محشوة بالجوز أو الجبنة أو القشطة، فلتأكيدهم على حضور شيء مميز، له خصوصيته الفائقة في شهر رمضان.
وفي اليوم الأول، يبدأ الناس بتعليق الأهلّة المضيئة على أسطح منازلهم، لكي يراها غيرهم، وهي تلمع وتصدر بريقها الرمضاني المُحبّب إلى قلوبهم. وكأن ثمة تأكيدا -عبر نشر هذه الأهلة المضيئة- على عمق الحضور الرمضاني في نفوس من يعلّقون هذا الأهلة، أكثر من غيرهم الذين لا يعلّقونها.
وفي اليوم الأول من رمضان، يبدأ الحديث عن الأكلات التي ستتصدر مائدة الإفطار في هذا الشهر. وفي المجتمع الأردني، ستكون الحظوة للمنسف والمقلوبة والمسخّن والكفتة بأشكالها المختلفة والدجاج المشوي، وغيرها من الأكلات الشعبية المختلفة.
وفي اليوم الأول من رمضان، تبدأ الأحاديث عن الاستعدادات والتحضيرات عن الولائم المَنْوِي إقامتها للأهل والأحبّة والأقارب، وسيقضي الناس جزءا من أيامهم -وفقاً لحجم العائلة وامتدادها- في منازل الأقارب والأصدقاء، لكثرة الولائم التي تقام في شهر رمضان.
وفي اليوم الأول من رمضان، يبدأ الحديث عن الاستعداد لاستقبال ليلة القدر، ونوعية الأطعمة والأشربة التي سيبعث بها الناس إلى المساجد، ليتسّحر عليها المعتكفون هناك.
وفي اليوم الأول رمضان، سيتحدث الناس عن السهرات الرمضانية وما يرافقها من أكل وشرب وترويح عن النفس.
وفي اليوم الأول من رمضان، سيتحدّث الناس عن اليوم الأخير من رمضان، وانتظار العيد بشغف، وإذا ما خرج قاضي القضاة ليعلن -في اليوم التاسع والعشرين من رمضان- أن يوم غدّ هو اليوم المُتمّم لشهر رمضان، فَلَكم سيتذمّر الناس، نظراً لتأجيل فرحة العيد يوماً آخر.
وهكذا، إلى أن تكتمل متون السردية الشعبية الرمضانية كسرديةٍ موازية للسردية العالِمة.
(3)
إذا كانت السردية التي تبنّاها "العقل العالِم" قد أنجزت أطروحتها منذ قرون طويلة، وتحوّلت إلى نسق ثابت، مع ما يحتمله هذا الثبات من تعزيز لثقافة الإكراه الديني؛ فإن السردية التي تبنّاها "العقل الشعبي" لم تنجز أطروحتها حتى اللحظة، رغم القرون الطويلة التي أكدت على حضورها، والأجيال المتعاقبة التي كتبت متونها.
إن السردية العالِمة هي سردية تجترّ متونها المرة تلو الأخرى في أزمنة مختلفة وأماكن متعدّدة، إذ لن نجد اختلافاً كبيراً بين آراء أهل الفقه في الدولة العباسية حول الصيام، عن آراء دور الإفتاء الحديثة حول الموضوع ذاته؛ كما أننا لن نجد اختلافاً كبيراً بين آراء "العقل العالِم" الأندونيسي حول الصيام، وبين نظيره الأردني على سبيل المثال؛ فالثبات هو المعيار في هكذا سردية، رغم أن الأَولى في الأمور الفكرية أن يكون الأمر خاضعاً للتجديد الدائم، لكي لا تموت الأطروحة وتتحوّل تجلياتها البَعْدية إلى إكراهات تُقام بالقوة والحديد.
أما السردية الشعبية، فهي سردية متدفقة باختلاف الأزمنة والأماكن التي تتموضع فيها، فلكلّ شعب سرديته الخاصة عن رمضان، ولا يمكن للسردية الشعبية التونسية أن تلتقي مع السردية الشعبية الماليزية حول الصيام إلا نادراً، فلكلّ شعب مواضعاته المختلفة لطقس العبادة، والعلاقة بين هذا الطقس والمعيش اليومي، بما يؤكّد على حيوية هذه السردية، وانتصارها لفقه الحياة المُتحرّك.

التعليق