د.باسم الطويسي

خطة التطرف: مسح على السطح

تم نشره في السبت 18 حزيران / يونيو 2016. 11:06 مـساءً

 لا يوجد أي مبرر لحالة السرية والتقييد التي أحاطت بها حكومة الدكتور عبدالله النسور السابقة "الخطة الوطنية لمواجهة التطرف" والتي نشرتها "الغد" يوم الخميس الماضي، فالخطة التي أعدتها الحكومة في نهاية العام 2014 وحددت من خلالها مسؤوليات الوزارات والمؤسسات الحكومية، فيها جهد واضح وأفكار تقليدية في نفس الوقت ولا تتجاوز المسح على سطح هذه الظاهرة حيث لم تطرح أي فكرة اختراقية جديدة ولم تذهب عميقا في سبر أغوار الظاهرة في حدودها المحلية.
 بصراحة أكثر لا يمكن أن نفهم من هذه الخطة مدى اعتراف صناع القرار الأردني بحجم التطرف في المجتمع الأردني ومصادره، باختصار؛ الخطة لا تتجاوز عملا بيروقراطيا تم مثل أي تعميم يصدر عن الرئاسة للوزارات والمؤسسات العامة كاتالي: ما هي خطتكم على سبيل المثال لمواجهة مخاطر فصل الشتاء أو لاستقبال السياح في فصل الصيف، وقس على ذلك مواجهة التطرف، ثم جمعت الردود ووضعت في وثيقة واحدة وكتب على الغلاف سري ومحدود التداول!
لقد حرمت الطريقة التي جعلت هذه الوثيقة سرية المجتمع من مناقشتها ونقدها أو دعمها، وفوتت فرصة إجراء مناقشة وطنية يستفيد منها صانع القرار ويبني على أساسها شرعية الإجراءات التي يتخذها. الوثيقة الحالية فيها الكثير من الإنشاء الثقافي والسياسي الذي لا طائل منه، مثل الحديث الطويل عن تأصيل ونشر قيم التسامح والتعددية وقبول الآخرين، أو نشر ثقافة مجتمعية ديمقراطية ومدنية بدون وجود برامج تنفيذية واضحة وضمن إجراءات ومؤشرات قابلة للمراجعة والقياس، وعلى هذا الأساس تتسلسل أدوار الوزارات والمؤسسات العامة دون ناظم مشترك ما سيجعل الخطة خلال الأشهر القادمة تدخل في غياهب النسيان.
تنسخ خطة التطرف أسباب فشل معظم الخطط الإصلاحية الوطنية ذات البعد المجتمعي التي لم تتوقف المؤسسات العامة عن إصدارها دون أي اثار حقيقية، وبكل بساطة فالمشكلة أن هذه الخطط كما تعكسها الخطة الأخيرة لا يعدها خبراء محترفون في بناء السياسات العامة، فمعظم هذه الخطط تتحدث حول أفكار كبيرة بعبارات إنشائية فضفاضة دون إجراءات محددة، على سبيل المثال كلما ظهرت خطة إصلاحية تطلب من الجامعات مراجعة خططها الدراسية ومنهاجها، وتطلب من عمادات شؤون الطلبة التدخل، وتطلب إبراز موقف الإسلام الحقيقي من القضايا الحساسة، وتطلب تفعيل استثمار الإجازات الصيفية للطلبة، واستثمار طاقات الشباب وتوجيهها. كل هذه المطالب جاءت في خطة التطرف دون أن تحدد الخطة كيف يتم ذلك ولأي هدف وبأي وسيلة وماهي الموارد وكيف يتابع ذلك وكيف يقاس الأداء وكيف يقاس الأثر.
أي خطة لمواجهة ظواهر التطرف والردة الاجتماعية تحتاج قبل أي شيء الاعتراف الرسمي بوجود هذه الظاهرة وتحديد مصادرها وحدود انتشارها، وفي الحالة الأردنية لا نحتاج هذا التعميم الواسع بتوزيع دم التطرف على كل مؤسسات الدولة، لدينا ثلاث شبكات تحتاج تفكيكا، بعضها يمكن البدء الفوري بمواجهتها وبإجراءات حازمة، وبعضها يحتاج وقتا طويلا وهي: الشبكة الأولى اقتصادية – اجتماعية تعنى بالتمويل واقتصاديات صناعة التطرف والتي استطاعت عبر السنوات الماضية بناء شبكات أمان اجتماعية بديلة في الأحياء المزدحمة في المدن وفي المخيمات وفي القرى البعيدة تحت وطأة ظروف اقتصادية صعبة. والشبكة الثانية سياسية – اجتماعية تعنى بنخب وقادة رأي وناشطين يشكلون حواضن للدعوة للتطرف أو بالحد الأدنى تبريره وما يتبعهم من مؤسسات وأشكال متعددة من التنظيم، أما الشبكة الثالثة فهي فكرية  ثقافية – اجتماعية وحتما يحتاج مواجهة هذه الشبكة التي تنظر للتطرف وتدافع عنه إلى وضوح فكري وثقافي من الدولة بعيدا عن الغموض والمناورة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »توضيح ناجح لاستراتيجية ممغمغة (مواطن)

    الأحد 19 حزيران / يونيو 2016.
    الاستراتيجية التي نشرتها الغد ادخلت الأسى لقلوب الكثير من المهتمين باستعادة عقولنا التي تعاني بسبب ما نرى من ويلات لأقحامها موضوع التطرف في كل جوانب الحياة . ونشكر الله أنها لم تتدخل بالطريقة التي نأكل بها ونمشي وننام ونحلم ونسيت أن تتعرض للمصطلحات الدارجة التي نستخدمها في كلامنا اليومي بأسلوب إنشائي تغلب عليه المراهقة أكثر مما يغلب عليه النضوج .
    لقد حدد الكاتب الذي يشاركه الكثير من المثقفين على ما اعتقد بأفكار مختصرة ما يترتب على الحكومة والمجتمع عمله للخروج من هذه المعمعة الفكرية ووضع استراتيجية حقيقية ممكن العمل بها بلغة الحقبة الثانية من القرن الواحد والعشرين.