د.أحمد جميل عزم

تسلط "الديمقراطية" على "المؤسسية" الإسرائيلية

تم نشره في الخميس 23 حزيران / يونيو 2016. 12:05 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 24 حزيران / يونيو 2016. 12:25 صباحاً

يعد جدل من له الأولوية "الديمقراطية" أم "مؤسسات الدولة" سؤالا متفاقما منذ عقدين من الزمن على الأقل. إذ كان هناك اعتقاد سائد أنّ الطريق للدولة الحديثة هو الديمقراطية والانتخابات، لكن ذلك تحطم مرتين في الدول العربية؛ يوم فشل مشروع التحول في العراق، وظهر عراق طائفي بنموذج ديمقراطي مسخ، يقوم على تمثيل الطوائف. ثم فشل عقب ثورات "الربيع العربي" التي سقطت تحت وطأة ضربات الثورات المضادة، والإسلام السياسي الإقصائي، وتدخل حكومات ودول لتفشل التحول الديمقراطي. والآن، يمكن أن نشاهد ملامح خلل في علاقة المؤسسة مع الديمقراطية في السياسة الإسرائيلية.
يتساءل البعض: هل الديمقراطية الإسرائيلية تسقط حالياً؟ وهل تصريحات قادة الجيش الإسرائيلي، ووزير الدفاع السابق موشيه يعالون، واستقالته الاحتجاجية، تعكس تراجع الحالة الديمقراطية الإسرائيلية لصالح التحول إلى فاشية ونازية؟ على سبيل المثال لا الحصر، كتب شبلي تلحمي قبل أشهر، مقالا في "واشنطن بوست" بعنوان "كيف تتغلب يهودية إسرائيل على ديمقراطيتها". وعملياً، يعكس هذا العنوان، وغالبية الآراء المشابهة، فكرة أنّ العداء للفلسطينيين واستبعاد العرب داخل الأراضي المحتلة العام 1948، أصحاب الجنسية الإسرائيلية، من إطار المواطنة المتساوية، هو مؤشر لتراجع ديمقراطي إضافي. لكن في الواقع ما يطرحه الإسرائيليون هو نوع من الديمقراطية العنصرية الخاصة باليهود (على غرار الديمقراطية زمن الإغريق وفي العصور الوسطى وحتى القرن التاسع عشر في أوروبا، حين كانت لفئة من السكان فقط).
من هنا، فإنه يجب التفرقة بين تراجع الديمقراطية بين الإسرائيليين اليهود، التي لا يبدو أنها في تراجع حقيقي؛ من حيث اعتماد الانتخابات، ووجود إعلام وقضاء قادرين على محاسبة السياسيين ومعارضتهم، وبين العداء للفلسطينيين داخل فلسطين، كل فلسطين؛ من لديهم الجنسية الإسرائيلية ومن ليس لديهم (وهي ممارسات ليست جديدة).
إذا سلمنا أنّها، أولا، ديمقراطية عنصرية فيها عداء لغير اليهودي، فإنّ هذه الديمقراطية، ثانياً، تحولت جزئياً إلى شيء شبيه بما يحدث في العراق أو لبنان، من زاوية أنّ الأحزاب والقوى باتت تعبر عن طوائف وإثنيات (روس، ويهود أصوليون شرقيون، وآخرون غربيون، ومستوطنون، وعرب... إلخ)، أكثر من التعبير عن قوى تمثل المجموع الإسرائيلي ككل (من دون أن ينفي هذا استمرار وجود أحزاب "الليكود" و"العمل" و"ميرتس"، كأحزاب جامعة، لكن بدور أقل نسبياً).
الأمر الثالث، والأهم، وهو موضوع هذا المقال الأساسي، أنّ الديمقراطية الإسرائيلية باتت وسيلة للتغول ضد المؤسسة الإسرائيلية. فصراع يعالون مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتصريحات نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يائير غولان، الشهر الماضي، أنّ سياسات إسرائيلية حالية، وأفعالا حالية للجيش، تتشابه مع الممارسات في زمن "الهولوكوست" والنازية في ألمانيا، هي في جزء منها دفاع من مسؤولي المؤسسة العسكرية عن أنفسهم ضد السياسيين.
الآن، هناك سياسيون مثل أفيغدور ليبرمان (وزير الدفاع الحالي) الذي يعتمد على دوره كممثل لليهود من أصل روسي ضمن حزب "إسرائيل بيتنا"، وسياسي مثل نفتالي بينيت، زعيم حزب المستوطنين، وهناك حزب شاس لليهود الشرقيين، وفوق كل هؤلاء بنيامين نتنياهو الذي يلعب لعبة الأقليات وإبقاء المتدينين المشرذمين والمستوطنين في الواجهة، ليكونوا شركاءه الذين لا يستغنون عنه، كواجهة لحزب قومي جامع، من دون أن يتمكنوا من تشكل حزب كبير موحد منافس له.
هؤلاء السياسيون جميعاً يريدون توظيف الجيش ومؤسسات الدولة لمصالح القاعدة الانتخابية الخاصة بهم. وأن يعطوا الجندي المستوطن، أو المتدين، أو غيره هامشاً لممارسة ما يريد من شعارات وقتل، على قاعدة التنافس بين السياسيين في التطرف ضد العرب، وفي تأكيد يهودية الدولة، وأن يتم تغيير أنظمة الكنيست، وقوانين الدولة، لتبقى لهذه الأقليات مكاسب خاصة (منها ما هو متصارع، مثل دعوة جزء لإعفاء المتدينين من خدمة الجيش والضرائب، وجزء لعدم إعفائهم).
مع هذا التوظيف السياسي، ومع شعارات الدعوة للتطرف، وصل الأمر إلى الدعوة للتمرد داخل الجيش وغيره من المؤسسات. ما جعل قادة أمنيين وعسكريين وحتى بيروقراطيين، يشعرون أنّ السياسيين الآتين بفضل الديمقراطية والانتخابات يدمرون المؤسسة، والانضباط فيها، ويجعلون إدارتها صعبة.
ربما هذا جوهر الصراع في إسرائيل، بين ديمقراطية لليهود فقط، تطغى على مؤسسات تدافع عن نفسها.

التعليق