ثلاث لحظات إسلامية: (1) اللحظة الفلسفية

تم نشره في الخميس 23 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

(1)
ثلاث لحظات اسلامية فارقة، تكوينية: اثنتان منقطعتان زمانياً (اللحظة الفلسفية + اللحظة العلمية)، وواحدة بقيت حلقاتها متصلة كسلسلة (اللحظة الفقهية)، ما تزال غالباً تطبق على رِقاب المسلمين، وتخنق إمكانهم الإبداعي، نظراً لإخضاع هذا الإمكان لمحاسبات قاسية ومُرعبة، أكل الآباء حصرمها، وها هم الأبناء يضرسون بها.
ومباشرة سأتحدث في هذا المقام عن اللحظة الثالثة (= اللحظة الفلسفية)، على أن أعود للحظتين الفقهية والعلمية في بقية هذه السلسلة، وأتبعهما بهامش حول لحظة رابعة (= اللحظة الصوفية)، نظراً لأهميتها في الزمن الحاضر، والإمكان الحِبِّي الذي تنطوي عليه، لاسيما في علاقتها بالآخر.
(يقيناً، أتجاوز هَهُنا عن لحظتي جمع النص القرآني وتدوين الحديث النبوي، والتأثير الهائل الذي خلفتاه في انبناءات العقل الإسلامي في كلّيته. على أن أعود إليهما في موضع آخر، نظراً للحاجة المُلحّة إلى تفكيك منظومتيهما، والأثر المُتبقي بفعل الشرارة التي انقدحت منهما يوماً ما في زمن قديم).
(2)
اللحظة الثالثة: هي اللحظة الفلسفية التي ابتدأت في المشرق العربي، ثم بلغت ذروتها في المغرب العربي، أو أبعد قليلاً؛ تحديداً في الأندلس. فسلسلة الفلاسفة الإسلاميين استلهموا روح الفلسفة الأغريقية -بصفتها أعظم فلسفة وصلت إليهم- وحاولوا تقعيدها إسلاميا، بما ينسجم مع روح النص القرآني، وإدخال اللاهوت الإسلامي في توافق مع الناسوت العقلي، بحيث لا يعود ثمة شرخ بين طبيعيات الإنسان وغيبياته، جانبه المحسوس وذاك الآخر غير المرئي.
هذه اللحظة ستنقطع في الزمن الإسلامي، نظراً لحالة الاحتراب التي تعرّضت لها على يد عقلية إسلامية أخرى، ارتأت في الفلسفة بشاعةً عقلية لا يمكن لها أن تبسط التجربة الدينية من أساسها على طاولة البحث العقلي، نظراً للخطورة -من وجهة نظر العقلية المغايرة- التي تنطوي عليها هكذا فلسفات، والتي يمكن أن تهدّد المسلم وتفقده معناه الوجودي في العالمين الدنيوي والأخروي.
وفي الحقيقة، يَعْجَبُ المرء كيف لمفكّر مثل الغزالي أن يكتب كتاباً كبيراً مثل "تهافت الفلاسفة" بلغة الفلاسفة أنفسهم، ثم يدخل في حالة حِراب تكفيري معهم، وينتصر في نهاية المطاف لكتابٍ مثل كتابه "إحياء علوم الدين" رُسم بحذاقة كبيرة، لإنهاء معالم المسلم في هذا العالَم، والتفكير عنه في كل شيء يمكن أن يفكر به. ويعجب أيضاً كيف تعرّضت آراء وكتب الفلاسفة للإعدامات، ما كان منها مادياً أو معنوياً، إلى درجة أن اللحظة الفلسفة برمّتها تجمّدت ولم تعد فاعلة في العالَم الإسلامي، واليوم إذ تُستحضر فإنها تُستحضر كـ:
1 - نوعٍ من الفلكلور الحماسي، الذي يُستحضر كإثبات للذات الإسلامية الجمعية وقدرتها على إنتاج فلاسفة كبار، كما أنتجت الذات الجمعية للأمم الأخرى فلاسفة هي الأخرى. فنحن إذ نتغنّى بهم فلكي نردّ على الآخرين، لا لكي نُعيد تأسيس اللحظة الفلسفية في العقلين الفردي والجمعي. إنه نوعٌ من الصراخ السيكولوجي لذاتٍ جمعية مكلومة فلسفياً، لا نوع من التأسيس المعرفي، والحفر عميقاً في الدور المحوري الذي يمكن أن يلعبه الإنسان في هذا العالَم.
2 - نوعٍ من الدناسة التي طالت طهارة العقل الإسلامي، وطاله ما طاله يومذاك من خسران وضياع، حتى أتى علماء فطاحل ووضعوا حداً لهذه الدناسة، وأصدروا فتاوى تُجرّم هذه الفاكهة المُحرّمة. واليوم، ثمة شعور سائد في عموم البلاد الإسلامية -إلا ما ندر- لمحاربة الفكر الفلسفي، وتجريم أي محاولة تأويلية تجعل أدوات العقل مباضع لتفكيك النص الديني، وإخضاعه لشرط المعرفة الإنسانية. فثمة حالة حصار للنشاط الفلسفي الإسلامي وشيطنة لأتباعه، تحت حجّة خرقهم لحرمة مشاعر المسلمين من جهة، وإفقادهم معناهم الأنطولوجي في هذا العالَم. لذا، لا عجب أن تُستبعد اللحظة الفلسفية من سياقات المناهج التربوية والجامعية والأكاديمية والنقاشات الخاصة والعامة، كما ليس ثمة عجب أن حُورب الفلاسفة قديماً وأعدمت مؤلفاتهم، وصدرت بحقهم مراسيم حرمان من رحمة الناس وربّ الناس أيضاً. فالأوصياء على النص الديني قديماً بتّوا في هذه المسألة الخطيرة، وما يزال بتّهم ذلك ناموساً يعتبر خرقه مجازفة حمقاء، لا تحمد عقباها أبداً.
3 - نوعٍ من التقديس الزائف، الذي لا معنى له في الحِراك الثقافي الفلسفي؛ فما معنى أن نستدعي جثّة ابن رشد أو جثّة الفارابي ونبقى نندب حظّهم وحظّنا.
إذن، نحن أمام لحظة كبيرة (= اللحظة الفلسفية) في التاريخ الإسلامي، كلما تقدمت خطوة ناحية الأمام، تصاغرت وتقزّمت، وتحوّلت إلى هباء منثور. فتلك اللحظة التي حفظت الإرث الفلسفي الإنساني وأضافت عليه بعض الإضافات النوعية، آن لها أن تموت وتأفل في العالم الإسلامي القديم، وتنتقل إلى مكان وذهن آخريين، غير المكان والذهن الإسلاميين.
واليوم إذ نعيش انقطاعاً متواصلاً لهذه اللحظة، مع حاجتنا المصيرية لها، لما تحمله في طياتها من جرأة كبيرة ومنقطعة النظير على إعادة رسم معالم الوجود الإنساني دونما خوف داخلي أو تخويف خارجي، أمكنه الحدّ من الإبداع الإنساني وتجلية سياقاته الفاعلة والمنتجة؛ اليوم إذ نعيش هذا الانقطاع الخانق، فإننا نأمل بإعادة الاعتبار لهذه اللحظة، الذي يبتدئ في المناهج التربوية، ولا ينتهي في عقول الفلاسفة، بما يجعلنا نقدّم رؤى جديدة من شأنها تغيير القائم وتجاوز إشكالاته التي تفتك بنا جميعاً، وتجعل منا محض كائنات برسم الهدر الوجودي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ممتاز (زكي محمد)

    الخميس 30 حزيران / يونيو 2016.
    لا فض فوك استاذ عامر. نتتبع مقالاتك و ننتظرها بشوق