ثلاث وقفات على هامش هجوم الركبان

تم نشره في الخميس 23 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً

أسامة شحادة

مرة ثانية، يضرب الإرهاب في رمضان. ففي فجر يوم السادس عشر من هذا الشهر، هوجم غدراً، وبسيارة مفخخة، موقع متقدم للجيش الأردني مهمته تقديم المساعدات والمعونات لمخيم الركبان للاجئين السوريين، الذي يحوي قريبا من 100 ألف لاجئ.
هذه الجريمة الإرهابية الجديدة زادت من اللحمة الوطنية والوعي بخطر التطرف والإرهاب الذي تتعرض له المملكة من جهات عدة؛ فتنظيم "داعش" يعلن عداوته للأردن، وإيران ومليشياتها تهدد وتتوعد، وأتباع بشار (مثل عضو مجلس الشعب السابق أحمد شلاش) يتشفون بالهجوم على الجيش الأردني، ويهددون بالحذر من غضب جيش بشار الأسد!
وهذه وقفات سريعة مع الحدث لفهم بعض أبعاده واستثماره لمزيد من حماية وطننا وشبابنا من فكر الغلو والتطرف، وكف يد العابثين في وقت الأزمات والمحن لتمرير أجندات مشبوهة.
الوقفة الأولى: هذه الجريمة جاءت بعد قرار محكمة أمن الدولة بسجن العراقي العميل للمخابرات الإيرانية مدة 15 سنة بسبب نقله 45 كغم من المتفجرات في الأردن لصالح المخابرات الإيرانية، كانت إيران زرعتها من التسعينيات! مما يؤكد أصالة إيران في نواياها العدوانية تجاه الأردن، وأن التهديدات التي تصدر من مليشيات تتبع لإيران هي تهديدات ذات جذور عميقة. كما يؤكد ذلك التصريحات المنسوبة لقاسم سليماني عن نيّته استهداف الأردن في العام المقبل. وقد شهدت الأيام الماضية هجومين إلكترونيين من "هاكرز" إيرانيين على موقع وكالة الأنباء الأردنية "بترا"، وموقع مديرية ضريبة الدخل.
الوقفة الثانية: تكشف الدراسات الإحصائية بشكل عام تراجع شعبية التنظيمات الإرهابية بشكل كبير عقب كل جريمة ترتكب بحق الأبرياء. هذا كان ملموساً عقب تفجيرات فنادق عمان العام 2005، وعقب الجريمة النكراء بحق الطيار البطل معاذ الكساسبة. وتدلل هذه الحقيقة على أن وعي الشارع والمجتمع بالفارق الحقيقي بين شعارات هذه التنظيمات التي تدغدغ المشاعر الدينية والعاطفية وبين واقع جرائمها، يعمل (هذا الوعي) بقوة وكثافة في تغيير اتجاهات التعاطف والتفهم لها نحو موقف نابذ لها ورافض.
وفي علم السلوك، يقولون إن تغيير القناعة والتوجه يتم إما بسبب صدمة أو قناعة. وفعلاً، رأينا الصدمات تخفّض شعبية هذه التنظيمات في الشارع، لكن هل نبقى ننتظر الصدمات/ الكوارث لتغيير قناعة الشارع وتحصين الشباب؟ هل هذا منطق؟
المنطق أن نركّز على تكوين قناعات لدى الشارع، والشباب خصوصاً، من خلال دوام وتكرار تقديم معلومات صحيحة وموثقة، وتحليل قائم على فكرة قوية، بأن هذه التنظيمات غير صادقة في شعاراتها أولاً، وأن منهجها من الناحية الدينية الإسلامية خطأ وانحراف، وأن مسارها السياسي مسار كارثي لا يحقق نتائج صحيحة. وهذه القناعة تكون من خلال قيام الإعلام والتعليم والتوجيه الديني بدوره الحقيقي في التوعية السليمة.
كثير من الشباب الذي تعاطف مع هذه التنظيمات أو انخرط فيها صُدم بواقعها، سواء ما ظهر من سلوك "داعش" وجرائمه التي عايشها أو سمع عنها، لكن لو كان لديه وعي بأن هذه الجرائم والسلوك والمنحرف هو سمة لازمة لكل جماعات الغلو والتطرف لوفّر على نفسه وأمته فتنة التأييد والتعاطف أو الانخراط في هذه التنظيمات.
لماذا يقصر إعلامنا في توضيح جرائم هذه التنظيمات عبر تاريخها الأسود، بحيث ينقل بأمانة وموضوعية ما تسبّبت به هذه التنظيمات من كوارث ومصائب في مصر والجزائر والسعودية واليمن والصومال وأفغانستان والأردن والمغرب وغيرها من الأماكن؟
لماذا ما يزال كثير من الناس لا يعرف أن غالب جرائم "داعش" نفذت -وأبشع منها- من قبل، لكن لم تجد تصويرا سينمائيا كما تفعل "داعش" اليوم، فبذلك يدرك شبابنا خطورة وخطأ هذا المسار؟
لماذا لا يجد شبابنا بين يديه كتبا مختصرة توضح له ماذا جنت هذه التنظيمات السيئة على مسار الدعوة الإسلامية ومساعدة المحتاجين، وتعطيل مسار التنمية وإدخال البلاد في دوامة الفوضى؟
لماذا لا يصل الشباب بسهولة ويسر لشهادات وتجارب مَن تراجعوا عن مسار العنف والتطرف حتى يسمعوا منهم العبرة والعظة؟ ولماذا يبقى ذلك محصورا بالخبراء والمختصين وعدد قليل في قاعات الفنادق، بدلاً من أن تكون هذه الشهادات والتجارب مبذولة للشباب في شوارعهم ومساجدهم وجامعاتهم؟
أوجه ندائي للقائمين على محاربة التطرف: سهّلوا للشباب التعرف على تاريخ العنف والتطرف الأسود ليكتسب الحصانة من تجارب الآخرين، وليس من تجربته هو.
الوقفة الثالثة: كعادة الحروب، ينشأ على جوانبها تجار الحروب الذين يستغلون الجراح والآلام لتحقيق مصالحهم الذاتية. وفي الحرب على التطرف والإرهاب، تظهر فئة تدعي مقاومة التطرف والإرهاب عبر رفع شعارات المواطنة والتعايش والتعددية والقبول بالآخر، كمكافئ موضوعي لشعارات "داعش" و"القاعدة" من تحكيم الشريعة الإسلامية ومحاربة الكفار، والحقيقة أن الطرفين يحاربان الإسلام نفسه!
فداعش لا يحكّم الشريعة في واقع الأمر، بل لعل من أهم أسباب بقائه ودعمه الخفي أنه يقدم أكبر خدمة لتشويه الإسلام وتطبيق الشريعة، لصرف الناس عن الإسلام. كما أن "داعش" يقاتل ويحارب المسلمين أكثر مما يحارب سواهم، وجرائم "داعش" تقدم المبررات الكثيرة للتضييق على المسلمين في أنحاء العالم وحرمانهم من حقوقهم وتعطيل وعرقلة مسار الدعوة الإسلامية بين غير المسلمين.
أما مدّعو محاربة "داعش" والتطرف من مؤيدي جرائم بشار الأسد والمليشيات الإيرانية الطائفية، ففي تناقض عجيب بين رفع شعارات الليبرالية والحداثة واليسار، والتحالف مع قوى طائفية تعد آخر نماذج الثيوقراطية في العالم كنظام الولي الفقيه في طهران!
ودعاة المواطَنة هؤلاء عندهم المواطنة لا تتم إلا بتعديل الإسلام نفسه وتطويعه لرؤيتهم، وهذه حقيقة شعار التعددية والقبول بالآخر! وهم في ذلك يتابعون وصفات مركز "راند" لتحديد المعتدل الإسلامي، الذي ليس هو المسلم غير العنيف، بل هو المسلم المعتدل ثقافيا بما يتوافق مع قيم العولمة والحداثة وفق تعريفهم، فالمسلم المعتدل هو من يعدل إسلامه ليتوافق مع مؤشرات مركز "راند" وسواه.
العجيب أن غلاة العلمانيين من اليسار والليبرالية هم "دواعش" في الحقيقة، لأنهم لا يقبلون بالتعايش مع الآخر المتمثل بالمسلم الذي لا يتوافق معهم.
وهذان الطرفان سيجران الغالبية من الناس لدوامة العنف المجتمعي، إما بالاستقواء بالسلطة كما في حالة القلة العلمانية، أو بتحريض الشارع في حالة القلة الداعشية، لكن المجتمع بأكمله هو من سيكتوي بالعذاب والألم، وهنا يأتي دور العقلاء في نشر الوعي الصحيح بالدين والإسلام والسياسة والواقع وتحدياته، وكفّ يد العابثين بحزم من كلا الطرفين.

التعليق