الاتفاق الإسرائيلي التركي مصالح اقتصادية ومخاطر سياسية

تم نشره في الاثنين 27 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً

كان البند الأخير الذي أشارت له عدة وسائل إعلام إسرائيلية، وكذا في خطاب المسؤولين الإسرائيليين، في ما يتعلق بالاتفاق الإسرائيلي التركي، هو بند التعاون الاقتصادي، وخاصة في ما يتعلق بقطاع الغاز، إلا أن هذا البند هو المحرك الأساس لإبرام هذا الاتفاق، الذي جاء ليخدم مصالح الجانبين، وإنها أزمة معلنة، ولكن معطيات أرض الواقع تثبت أنها لم تكن بالشكل الذي تعرض فيه. وفي المقابل، فإن الاتفاق يحمل في طياته مخاطر سياسية في أكثر من اتجاه، وأبرزها أن الاتفاق ينظّم الحصار على غزة ويبقي على فصله عن الضفة.
بداية فإن تسمية الاتفاق "مصالحة"، و"استئناف التطبيع" بين الجانبين الإسرائيلي والتركي، لا يتناسب مع واقع الحال القائم على مر السنوات الماضية، وأيضا منذ العام 2009، حينما بدأ تصعيد الخطاب السياسي التركي، ثم مع ارتكاب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة اسطول الحرية في نهاية أيار (مايو) العام 2010. لأنه على الرغم من كل السجال السياسي، إلا أن العلاقات الاقتصادية استمرت بالازدهار؛ وكان الهبوط والصعود في حجم التبادل التجاري، متعلقا أساسا بأوضاع الأسواق العالمية.
فمثلا، سجل العام 2014 ذروة في التبادل التجاري بين الجانبين وبلغ 6.8 مليار دولار. وحسب تقرير إسرائيلي فإن الصادرات إلى تركيا ارتفعت من العام 2000 الى العام 2014، بما نسبته 534 %، من 434 مليون دولار في العام 2000 إلى ما قيمته 2.8 مليار دولار في العام الماضي. وفي حين أن الصادرات إلى تركيا شكلت في العام 2000 ما نسبته 1.4 % من اجمالي الصادرات الإسرائيلية، فقد شكلت في العام 2014 ما نسبته 4 % من اجمالي الصادرات الإسرائيلية. وحينما تكون العلاقات الاقتصادية مزدهرة وبهذا المستوى، فإن الأزمة تكون لاحتياجات العلاقات العامة، ومسايرة الرأي العام لكل واحد من الجانبين.
الى جانب هذا، فإن الاتفاق يتضمن مخاطر سياسية، ستُسجل لصالح إسرائيل، التي يسعى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، بشكل دائم، لكسر الانطباع القائل بأن حكومته مُحاصرَة في الحلبة الدولية. ومن هذه المخاطر، فإنه مقابل تعويضات بقيمة 20 مليون دولار لضحايا المجزرة، فإن البرلمان التركي سيقر قانونا يمنع محاكمة جنود وضباط جنود الاحتلال، على خلفية ارتكابهم مجزرة اسطول الحرية. وهذا انجاز إسرائيلي آخر على هذا المستوى، بعد أن ألزمت إسرائيل دولا أوروبية بسن قوانين تمنع اعتقال مسؤوليها وضباطها، على خلفية جرائم الحرب التي ارتكبوها.
أما في ما يتعلق بقطاع غزة، فإن تركيا تنازلت عن طلب رفع الحصار عن قطاع غزة، وتسجل إسرائيل هذا لنفسها بمثابة انجاز لها. وفي المقابل فإن تركيا أعلنت أن الاتفاق يسمح لها بنقل بضائع "مساعدات انسانية" دون تحديد كميات الى قطاع غزة. ولكن هذه البضائع ستصل الى ميناء اسرائيلي وخاضعة لفحص وأنظمة سلطات الاحتلال، التي ستنقل البضائع الى قطاع غزة. ويقول رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو، إن هذا قائم طوال الوقت.
ولكن هذا البند جاء مكان مطالب كان على الجانب التركي طرحها، مثل الاصرار على مطلب رفع الحصار على قطاع غزة، وضمان التواصل بين القطاع والضفة. إلا أن هذا لم يكن، وهذا يجعلنا نعتقد أن مسألة "المساعدات" الى قطاع غزة، تخدم الهدف الاسرائيلي بالابقاء على الحصار القائم، وايضا استمرار الفصل بين قطاع غزة والضفة، وهذه نقطة التقاء مع حركة حماس، التي تسيطر كليا على قطاع غزة، حتى بعد حل حكومتها.
إن دفق البضائع بانسيابية على قطاع غزة هو أمر ضروري، ولكن في الاتفاقيات السياسية، لا يمكن أن يكون هذا بدون تحقيق مطلب سياسي أساسي يتمثل بإنهاء الحصار، ولذا ليس صدفة أن رد الفعل الفلسطيني بالإمكان اعتباره فاترا، في العديد من المستويات الرسمية والقيادية والفصائلية.
الجديد الذي سينتجه الاتفاق، هو عودة السفير التركي الى تل أبيب، ولربما استئناف الزيارات السياسية المتبادلة، ولكن الأهم، أن المرحلة المقبلة مرشحة لتسجيل ذروة أكبر وغير مسبوقة في التبادل التجاري التركي الاسرائيلي، مع تركيز خاص على قطاع الغاز.

التعليق