رحمة الله وسعت كل شيء

تم نشره في الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً
  • رحمة الله تُنال بالجد والعمل - (أ ف ب)

قال الله تعالى في سورة النساء "اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ"، وقال الله تعالى في سورة الزمر "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"، وفي سورة الأعراف قال تعالى "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ".
ومن آيات الرحمة في القرآن كذلك، قوله تعالى في سورة الأنعام "وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ".
وانظر إلى استفاضة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في توضيح سعة رحمة الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم "لما قضى الله الخلق كتب كتابا، فهو عنده فوق عرشه، إن رحمتي سبقت غضبي"، وهذا حديث متفق عليه، وقال كذلك أبو هريرة، سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول "جعل الله الرحمة مائة جزء؛ فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها؛ خشية أن تصيبه"، لا إله إلا الله... أي رحمة هذه؟
قال صلَّى الله عليه وسلَّم "إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس، والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، فإذا كان يوم القيامة أكملها الله بهذه الرحمة، حتى إن الشيطان ليتطاول، يظن أن رحمة الله ستسعه في ذلك اليوم".
وانظر إلى ضرب المثل وهو من مناهج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في توصيل الخبر حتى تصل صورة سعة الرحمة إلى قلب كل قلق ليهدأ:
فعن عمر رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيا في السبي أخذتْه فألصقتْه ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم "أترون هذه طارحة ولدها في النار"، قلنا: لا، وهي تقدرعلى ألا تطرحه، فقال عليه الصلاة والسلام "الله أرحم بعباده من هذه بولدها".
ويورد ابن القيم رحمه الله عن بعض العارفين أنه رأى في بعض السكك باباً قد فُتِح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمُّه خلفه تطرده، حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكرا، فلم يجد مأوى غير البيت الذي أُخرِج منه، ولا مَن يؤويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مرتجا مغلقا، فتوسَّده ووضع خدَّه على عتبة الباب، ونام، فخرجت أمُّه، فلمَّا رأته على تلك الحال، لم تملك أن رمت بنفسها عليه، والتزمته، تقبِّله وتبكي، وتقول: يا ولدي، أين تذهب عنِّي؟ مَن يُؤويك سواي؟! أين تذهب عنِّي؟ مَن يؤويك سواي؟! ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك، والشفقة عليك، وإرادة الخير لك؟ ثم ضمته إلى صدرها، ودخلت به بيتها.
فتأمل قولها: لا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبِلت عليه من الرحمة بك، والشفقة عليك.
وتأمَّل قوله صلَّى الله عليه وسلَّم "الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها"، فأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟! وهو رب الرحمة وأصلها وخالقها سبحانه في علاه.
رحمة الله لا تُنال بالتواني والكسل، إنما بالجد والعمل؟! لِمَن كتبها الله له؟!، انظر إلى حِلم الله عليك، حِلم الله عليك في إمهالك وأنت تعصيه، ولو شاء الله لعاجَلَك بالعقوبة، فقل الحمد لله.

حسام عبد الرؤوف علي القصاص
عضو رابطة علماء الأردن

التعليق