د.أحمد جميل عزم

مسلسلات رمضانية من 13 إلى 30

تم نشره في الجمعة 1 تموز / يوليو 2016. 12:07 صباحاً

بات شهر رمضان موسماً شبه رسمي لإنتاج الدراما، أي المسلسلات التلفزيونية. وصارت المسلسلات تكتب وتصمم لتكون ثلاثين حلقة تقريباً، فتتلاءم مع الشهر. ولعل العدد الهائل للمسلسلات دليل على أنها تحظى بشعبية كبيرة، وتشكل "صناعة" رائجة جداً. وهذا ليس أمرا قديما جداً، فكثيرون يذكرون أنه كانت هناك دورة برامجية في التلفزيونات تتكون من 13 أسبوعا؛ تقسم العام إلى أربعة فصول، والمسلسل 13 حلقة.
قبيل بداية رمضان الحالي، كنتُ في زيارة للقاهرة، وهالني عدد الإعلانات الضخم بعشرات الآلاف، للمسلسلات في الشارع، لدرجة أنّ كل الشوارع التي دخلتها (المزدحمة والرئيسة) فيها إعلانات تفوق عدد أعمدة الكهرباء. وهو ما طرح السؤال: هل تحقق هذه المسلسلات الدخل الذي يعوض تكلفة هذه الإعلانات، عدا عن تكلفة إنتاجها؟ والإجابة أنّه إذا كان الأمر كذلك، فإنّنا أمام صناعة رائجة، ومؤثرة بالتالي على العقول والتفكير.
والواقع أنّ الانتقال من المسلسل ربع السنوي (13 - 15 حلقة)، إلى الشهري (30 حلقة) الذي يتكرر عرضه طوال العام، متنقلا من قناة لأخرى ضمن صناعة يعرف القائمون عليها الموضوعات والخطوط التي يمكن أن تجعل مسلسلهم قابلا للشراء من قنوات لديها حساباتها السياسية والمالية، المرتبطة بالحكومات الراعية والمعلنين والجمهور، هو في جزء منه زيادة في مركزيّة هذه الصناعة؛ بمعنى أنّ الأمر لم يعد العثور على عمل يتم إنتاجه، بل هناك الكثير من الحسابات السياسية والفكرية والتخطيط لعملية الإنتاج.
أزعم أنه سيكون مجدياً دراسة موضوعات المسلسلات دراسةً مقارِنة بين عام وآخر، أو بين عشرة أعوام وأخرى، لتبين عملية صناعة فكر ورأي عام. كما يمكن دراسة السينما كذلك. فمثلا، في عهد أنور السادات، في مصر، انتشرت الأفلام المدمرة لصورة عهد عبدالناصر (مثل فيلم الكرنك).
يقول أحد ممثلي مسلسل "سمرقند"، المعروض هذا العام، في مقابلة تلفزيونية، إنّه أريد تقديم القصة بطريقة جذابة للجيل الجديد تمزج بين الحركة التي تجذب الشبان (الآكشن) والمحتوى التاريخي. والواقع أنّ المسلسل يعرض أمرين أساسيين: الأول، قصص الجواري والسلاطين والسحر الذي يؤمنون به ويؤدي للزواج والطلاق والحب والكره. ويعرض أفكاراً عن فئات الباطنيين (أو المعروفين بالحشاشين في بعض المصادر)، وأفعالهم العنيفة في القرن الحادي عشر. وهذا المسلسل بشكل أو آخر، وواعٍ أو غير واعٍ، يبحث عن فضح جماعات ضالة، وهو إذا ما رأيته حتى بموازاة مسلسلات أخرى (منها التركي "حريم السلطان" مثلاً)، يقدم التاريخ بأنه سلاطين وجوارٍ وحريم، وضلال، وتردي. وهذه صورة مختلفة كلياً عن الصور التي كانت تقدمها مسلسلات ابن تيمية، والعز بن عبدالسلام، وأفلام السينما مثل "الرسالة"، والتي شكّلت بدورها (بجانب أدوات أخرى) العقل الجمعي والقراءة السياسية للتاريخ، في الثمانينيات، عندما كان ضروريا هزيمة اليساريين والشيوعيين والاتحاد السوفييتي، ونشر فكر الصحوة الإسلامية الذي التقت عليه مصالح أو قناعات جماعات إسلام سياسي مع أنظمة محافظة.
في مسلسل آخر؛ "القيصر"، هناك خرق واضح لخطوط حمراء في التفكير والعلاقات بين الدول، ونقل للإشاعات والمقولات إلى الدراما. فمثلا، هذا المسلسل يهاجم قناة "الجزيرة" والدولة التي تقف خلفها، ويضعها مع أوروبا والغرب في كفة واحدة في تشجيع الإرهاب أو على الأقل التنسيق معه.
أزعم (وهذا الزعم بحاجة لدراسات علمية، ربما أبحاث جامعية أعمق لمناقشته تتعدى الملاحظة العشوائية التي أعتمد عليها هنا)، أنّه بعد موجة الطوباوية في الثمانينيات، والتي جعلت التاريخ الإسلامي نوعا من المقدسات يمنع نقاشها، فضلا عن القول إنه كان في هذا التاريخ فساد أو أخطاء، سوى ما كان عابراً؛ ثم بعد ذلك جاء من حاول تعديل الصورة بقراءة موضوعية منصفة للتاريخ بجوانبه المشرقة حقاً والمعتمة، ومن أهم هؤلاء أعمال وليد سيف (كاتبا) وحاتم علي (مخرجاً). ثم مع موجات الإرهاب بدأ الحديث بشكل مباشر وواضح عن الإرهاب وجماعاته، والآن هناك نوع من الموجة "التعديلية"، التي لا تحاول تحري الموضوعية كما في أعمال (سيف-علي)، بل تستخدم انتقائية نسبية، كالثمانينيات، ولكن بشكل معاكس، تركز على فك الارتباط بالماضي وانتقاء السلبي فيه. وسيكون هناك سؤال آخر يحتاج لبحث، كيف ستنعكس الأعمال الجديدة في الفكر الجمعي؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مواطن (مواطن)

    الجمعة 1 تموز / يوليو 2016.
    لا اعتقد ان الناس الان تتابع المسلسلات بنفس الزخم الذي كان في التسعينات وقبل ،
    فهنالك وعي