أي السياسات ينبغي أن تكون لها الأولوية؟ بنغلادش نموذجاً

تم نشره في السبت 2 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً
  • باحثة في مشروع "براك" تجمع بيانات عن الصحة العامة في بنغلادش – (أرشيفية)

بيورن لومبيرغ*

كولورادو سبرينغز- في كل يوم، يواجه صناع السياسات في مختلف أنحاء العالم مجموعة مذهلة من الاختيارات. فكلما زادوا من إنفاقهم على التعليم، على سبيل المثال، قل المتاح لديهم للإنفاق على المستشفيات، أو مكافحة التلوث، أو تعزيز الإنتاجية الزراعية. وتروج جماعات الضغط، والنشطاء، ووسائل الإعلام لقضايا بعينها -الألواح الشمسية، وفيروس زيكا، وإغلاق الثغرات الضريبية على الفور- في حين من الممكن أن تمر قضايا أخرى أقل شهرة -مثل التغذية أو الأمراض غير المعدية- من تحت رادار الاهتمام العام. وتواجه السياسة في أغلب الدول ما يسمى قضايا "المسار الثالث" -السياسات أو البرامج (لنقل، معاشات التقاعد الحكومية) التي تتمتع بالقداسة إلى الحد الذي يجعل كل من يمسها من صناع السياسات عُرضة للموت السياسي الفوري.
يتلخص جزء من المشكلة في ميل الحكومات عندما تستثمر في التحليل الاقتصادي إلى القيام بذلك لصالح كل سياسة على حِدة في كل مرة، فتتساءل ببساطة: هل سيكون هذا مجدياً من حيث التكلفة؟ إذا كان كذلك، فلنبدأ التنفيذ إذن.
ولكن، ماذا لو نظر صناع السياسات إلى مجموعة من الخيارات في وقت واحد -المقارنة بين بناء جسر والإنفاق على الكتب المدرسية مثلاً، من أجل الاستقرار على الجهة التي ينبغي لنا أن نوجه أي أموال إضافية إليها أولاً؟
تم استخدام هذا النهج للمرة الأولى على المستوى الوطني الشهر الماضي في بنغلاديش؛ حيث تعاون مركز إجماع كوبنهاغن البحثي، الذي أتولى إدارته، مع منظمة براك (BRAC)، وهي أكبر منظمة للتنمية في العالم، لإدارة مشروع أولويات بنغلاديش. وتتلخص الفكرة في تقديم مدخلات بنّاءة لحكومة بنغلاديش ومانحيها من خلال تحديد المجال الذي تستطيع الموارد الإضافية أن تحقق فيه أكبر قدر ممكن من المنفعة.
قطعت بنغلاديش خطوات هائلة إلى الأمام. فقد حقق اقتصادها نمواً بلغ نحو 6 % في المتوسط على مدار العقد الماضي، كما سجل معدل الفقر هناك انخفاضاً سريعاً منذ التسعينيات. وكانت الزيادات في متوسط العمر المتوقع مذهلة، فارتفعت بشكل مضطرد من نحو 48 سنة في العام 1980 إلى أكثر من 70 سنة في العام 2014.
تواجه بنغلاديش العديد من الخيارات السياسية المقنعة، الأمر الذي يجعل توقيت مبادرتنا مناسباً تماماً. فبدءا من أوائل العام 2015، تولى مشروع أولويات بنغلاديش تكليف عشرات الفرق من خبراء الاقتصاد المتخصصين من بنغلاديش ومختلف أنحاء العالم بدراسة إيجاد 76 حلا ملموسا لتحسين فرص البلاد في المستقبل. وقام خبراء الاقتصاد في مجال التعليم -على سبيل المثال- بدراسة أفضل الحلول التعليمية لبنغلاديش، وتقدير التكاليف والفوائد المترتبة على كل منها.
وفي الشهر الماضي، اجتمع فريق مكون من أربعة من أفضل خبراء الاقتصاد وأبرزهم -ثلاثة من أبرز علماء بنغلاديش وحائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد- في دكا لدراسة النتائج. وبعد قراءة كل البحوث، قضى أعضاء الفريق ثلاثة أيام في مناقشة النتائج وتفنيدها مع خبراء الاقتصاد المتخصصين. وعندما قدّم خبراء الاقتصاد في مجال التعليم تحليلهم بشأن وضع الأطفال في فئات وفقاً لقدراتهم، بدأ فريق العلماء البارزين التحقق من الافتراضات وفحص النتائج لتحديد مدى صمودها على أرض الواقع.
وحدد الفريق بعض الاستثمارات الملحوظة. وعلى رأس قائمة أولويات الفريق، كان علاج مرض السل الذي يقتل نحو 80 ألف مواطن في بنغلاديش سنوياً -وفاة واحدة من كل 11 وفاة في البلاد. وتأتي التكلفة الرئيسية من فحص نحو 60 مليون شخص آخرين، ولكن علاج هذا المرض رخيص حقاً. فمن الممكن أن يمنع إنفاق 100 دولار فقط لكل مريض على الأدوية القياسية والمتابعة في العيادات المجتمعية انتقال مرض السل. ولا تقل الفوائد الإجمالية عن 21 ضعف إجمالي التكلفة. وعندما يتأمل المرء حجم التأثير على الأسر التي لن تفقد عائلها، وعلى المجتمعات التي لن تخسر الأيدي العاملة الخبيرة، فمن المؤكد أن الفوائد الحقيقية قد تكون حتى أعلى.
جاءت في المرتبة الثانية المشتريات الإلكترونية، الحل الرقمي الذي يعني ضمناً تحسين الإشراف على إنفاق 720 مليار تاكا (9.1 مليار دولار أميركي) التي تنفقها الحكومة سنوياً لتغطية تكلفة كل شيء -من الجسور الجديدة إلى أقلام الرصاص. ومن الممكن أن يساعد نظام مماثل للمناقصات على الإنترنت في تعزيز المنافسة والحد من الفساد، وخفض التكاليف التي تتكبدها الحكومة بما يقدر بنحو 12 %. وينطوي انخفاض تكلفة تنفيذ المشتريات الإلكترونية نسبياً على مخاطر أقل. ومن الممكن أن يحقق كل تاكا يتم إنفاقه قدراً من الخير يعادل 600 تاكا.
في المرتبة الثالثة، جاءت التدخلات المبكرة في التغذية، والتي تشكل أهمية بالغة في تحديد النتائج في الأمد البعيد. ذلك أن ما يقرب من طفل واحد بين كل أربعة أطفال في بنغلاديش تحت سن الخامسة يعاني من سوء التغذية إلى حد توقف النمو والتقزم، مما يعيق النمو العقلي، ويجعل الأداء المدرسي متدنياً، ويؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وأسوأ النتائج الصحية، والمزيد من الأمراض في مراحل لاحقة من الحياة. ويقدر حجم الفوائد المترتبة على التحسينات التي تركز على التغذية بنحو 19 ضعف التكاليف، وهو معدل منخفض في حقيقة الأمر.
عندما نحدد ما الذي ينبغي أن يأتي أولاً، فإنه يجب علينا أن نحدد أيضاً ما الذي لا ينبغي أن يأتي أولاً. وقد يجعلنا هذا نبدو وكأننا غير مبالين. لكننا إذا لم نحدد الأولويات بوضوح، فإما أن تنتهي بنا الحال إلى نشر الموارد على نطاق غير مكثف وغير مؤثر بالتالي، أو نسمح للعمليات البيروقراطية المبهمة وتقلب اهتمامات وسائل الإعلام وضغوط جماعات الضغط بتحديد الأولويات من أجلنا.
أوضح الفريق أن سرطان عنق الرحم -على سبيل المثال- لا ينبغي أن يأتي على رأس الأولويات في بنغلاديش. وهو أمر صعب. ذلك أن هذا المرض يقتل نحو 10 آلاف سيدة في بنغلاديش كل عام، لكن علاجه مكلف للغاية. والواقع أن أكثر من ضِعف هذا الرقم من النساء يمتن سنوياً بسبب مرض السل، الذي يقتل أيضاً عدداً كبيراً من الرجال والأطفال.
من الواضح أن الهدف يتمثل في تمكين بنغلاديش من الاستجابة بفعالية لكل من التحديين. ولكن، إذا كان لها أن تبدأ من مكان ما، فإن التحليل يُظهِر أن الكم من المال الذي قد ينقذ شخصاً واحداً من الموت بسبب سرطان عنق الرحم يكفي لإنقاذ ما يقرب من 50 شخصاً من الموت بمرض السل.
من الأهمية بمكان إدراك أن الأصلح لبنغلاديش لن يكون بالضرورة الأصلح لكولومبيا أو فنلندا أو هايتي أو كندا على سبيل المثال. ولكن النهج التحليلي نفسه يمكن استخدامه -وتوسيعه لكي يشمل المدن والولايات والمناطق. ولا ينبغي أبداً أن يكون خبراء الاقتصاد هم صانعو القرار المنفردين. ففي غياب الأدلة بشأن التكاليف والفوائد، سيتم اتخاذ القرارات من غير بينة. ومن المؤكد أن توفير قائمة أسعار يساعد في تنشيط وتهذيب المناقشة حول الأولويات. ولا شك أن أهل بنغلاديش -وغيرهم من الشعوب- يستحقون أعظم قدر ممكن من كفاءة تخصيص موارد التنمية المحدودة.

*أستاذ زائر في كلية كوبنهاغن لإدارة الأعمال، ومدير مركز إجماع كوبنهاجن، الذي يسعى إلى دراسة المشاكل والحلول البيئية باستخدام أفضل الأساليب التحليلية المتاحة. وهو مؤلف "البيئي المتشكك". وضعته مجلة تايم بين الـ100 شخص الأكثر تأثيراً في 2004.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق