الدولة المدنية في الورقة النقاشية

جميل النمري

تميزت الانتخابات النيابية الأخيرة بغياب الشعارات. ومعظم القوائم لم تهتم حتى بطباعة برنامج. ويمكن لأي باحث أن يرصد كيف تقلص الاهتمام بالبرامج والشعارات من دورة لأخرى، حتى وصلنا في الانتخابات الأخيرة إلى غياب شبه تام للشعارات والبرامج.
وأذكر أن يافطات انتخابات العام 1989 كانت تضع الشعار على عرض اليافطة، وأسفله بحرف صغير اسم المرشح الذي كان يتوجب عليه أن لا يترك موضوعا إلا ويكتب له شعارا، ويحدد فيه موقفا. ثم ظلت الشعارات تتقلص، حجماً وكماً، حتى وصلنا إلى الانتخابات الأخيرة بيافطات تركز فقط على الاسم والصورة، وأحيانا نداء للدعم. ويعكس ذلك، بالطبع، زوال القناعة عند المرشح والناخب على حد سواء بدور الخطاب السياسي والبرنامج والشعار.
لعل أحد الاستثناءات المهمة حدث في عمان، وفي الدائرة الثالثة تحديدا، مع قائمة "معا"، التي طرحت شعار "الدولة المدنية". وهو بالطبع ليس شعارا جديدا، لكن في الأجواء التي رافقت الانتخابات وأثارت بقوة الموضوع الديني وبروز خطاب انتخابي يلعب على هذا الوتر ويذهب به إلى ضفاف داعشية، في هذه الأجواء استنفرت القوى المدنية نفسها ملتفة حول شعار "الدولة المدنية" والقائمة التي طرحته، في لحظة توحد نادرة حول فكرة تقدمية محددة. وهو ما أثمر حصول القائمة على أعلى الأصوات، ونشوء موجة من التفاؤل بوحدة التيار الديمقراطي المدني حول مشروع محدد، طالما فشلت القوى الوطنية والتقدمية في بلورته والتوحد حوله.
تأتي الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك الآن في أجواء الجدل حول هذا الموضوع الذي اكتسب أهمية ملحة مع جريمة اغتيال الكاتب الصحفي والأديب والمثقف السياسي الكبير ناهض حتر. وهي سابقة خطيرة في بلدنا، أظهرت كيف يخلق التطرف والكراهية أدواتهما التي تطبق مفاهيمهما تطوعا، من دون حاجة لوجود تنظيم. وليس صدفة أن يأتي اغتيال ناهض على باب قصر العدل، تحديا لـ"القانون الوضعي"، ومباشرة قبل الجلسة الأولى التي سيمارس فيها القانون العام سلطته.
وتركز الورقة الملكية على هذه الفكرة الرئيسة، وهي سيادة القانون بوصفها الأساس لوجود وديمومة مجتمع متحضر يتعايش فيه الناس سلميا، ويقبلون ببعضهم على تنوع أفكارهم ومصالحهم وانتماءاتهم. وتشير الورقة على نطاق أوسع إلى مجتمعاتنا العربية التي "نجد أنها تتكون من منظومة معقدة من الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية والقبلية. ولهذا التنوع أن يكون مصدرا للازدهار الثقافي والاجتماعي والتعدد السياسي، ورافدا للاقتصاد، أو أن يكون شعلة للفتنة والعنصرية والنزاعات". وكما قالت الورقة، فإن ضمان حقوق الأقلية هو متطلب لضمان حقوق الأغلبية. وأضيف من جهتي أن ظلم مواطن واحد في الدولة، يضع بقية مواطنيها في خطر. وفي الأنظمة الشمولية، يبدأ الأمر باضطهاد فئة معارضة، ثم يتمدد القمع ليشمل كل تباين محتمل، حتى يعم الاضطهاد المجتمع بأسره.
وقد يبدو شعار الدولة المدنية في سياق الأيام الأخيرة موجها ضد نوع معين من التطرف، وهو التطرف الديني. لكن مفهوم الدولة المدنية نشأ وتطور في مواجهة أي شكل للطغيان، كالدولة العسكريتارية والأمنية؛ وفي مواجهة أي سلطان أيديولوجي منفرد على الدولة والمجتمع؛ وأي شكل للتمييز والهيمنة على خلفية إثنية أو طائفية أو جهوية. ولذلك، فإنه تحت شعار "الدولة المدنية" يمكن أن تجتمع الفئات الطليعية والمتنورة في المجتمع من كل الفئات والانتماءات. وهناك مصلحة أكيدة لمستقبل بلدنا ومجتمعنا في تقوية هذا المفهوم وسيادته، كرؤية ودليل عمل لاتجاهات الإصلاح التي ناقشتها الأوراق النقاشية السابقة لجلالة الملك.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018