آخر مجلس وطني فلسطيني من نوعه

د.أحمد جميل عزم


يمكن قراءة ثلاثة أهداف أساسية لعقد المجلس الوطني الفلسطيني، ما بين 30 نيسان (إبريل) و4 أيار (مايو) 2018، على أنّ من نتائج هذا الانعقاد، تأكيد، وإقرار الحاجة، لمراجعة عاجلة، لتركيبة وطريقة عقد المجلس.
هذا المجلس هو في الأصل بوتقة تجتمع فيها الطاقات الفلسطينية، ومنه تتخذ القرارات المصيرية، في تاريخ الشعب الفلسطيني، فهو الذي جسد العام 1967-1968، الانتقال لمرحلة الكفاح المسلح، فتحول إلى "جبهة وطنية"، وفي العام 1974 سيبقى الحوار الصاخب حتى أُقّرت كل كلمة في البرنامج المرحلي، وأقرت فكرة "سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة" علامة على آلية اتخاذ قرار جماعية. وفي العام 1988، ستبقى صورة حماسة جورج حبش، أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لإعلان الدولة علامة فارقة، أنّ آلية اتخاذ القرار الجماعية، تذيب "صخر" المعارضة، وتصنع شركاء في صنع المستقبل. ولكن لم يحدث شيء شبيه في هذا المجلس.
كان الهدف الأول من عقد المجلس، تجديد الشرعية، والمقصود بهذا أمور، منها أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كانت تعاني التقادم، فهددت الوفاة وتقدم العمر والخلافات الداخلية نصاب اجتماعاتها. والهدف الثاني، أنّ منظمة التحرير، هي إطار العمل الوطني الاستراتيجي، فإذا تعرضت السلطة الفلسطينية، لهجوم إسرائيلي أو أميركي في المرحلة المقبلة، على خلفية رفض الفلسطينيين مخططات الإدارة الأميركية لتصفية قضيتهم، فإنّ المنظمة تكون قد جددت نفسها لتتولى الدور التنفيذي في المواجهة. والهدف الثالث، تقوية المجلس المركزي الفلسطيني، ليكون ذا دور أسرع وتنفيذي في المرحلة المقبلة، التي قد تشهد صداما مع الإسرائيليين، أو في الشأن الداخلي، على خلفية تَعثُّر المصالحة، بحيث يتم تأكيد دور المجلس مظلةً قادرةً على اتخاذ قرارات لتحديد مصير السلطة الفلسطينية. وقد تحققت هذه الأهداف تقريباً.
بعيداً عن جدل عدم انضمام حركة "حماس" للمجلس، فهذا أمر طال انتظار التوافق عليه، ولا يجوز تعطيل المجلس بسببه، كان انعقاد المجلس ضرورياً جداً، وشكل إنجازاً مهما. لكن برزت مشكلتان؛ أولاهما عدم نجاعة طريقة النقاشات، وهو ما يعكس مشاكل في حجم المجلس الكبير (800 عضو) وفي طريقة إدارته. فالمجلس أوكل للجنة صياغة بيان ختامي، وانقضت أيام المجلس في خطابات الأعضاء بصفتهم الشخصية، أو نيابة عن فصائلهم ومؤسساتهم، مع كثير من التكرار وتأكيد مواقف لا خلاف عليها، كإدانة خطوات الإدارة الأميركية الحالية بشأن القدس، ومن دون نقاش مفصل للقضايا السياسية، نقطةً بعد أخرى، وبالتالي من دون خروج أفكار وطروحات استراتيجية جديدة.
وبرزت المشكلة الثانية، عقب المجلس، فقد جاء البيان المقدم للمجلس في الختام، قَوياً معبّراً عن تطلعات المجلس والشعب الفلسطيني (وهو تأكيد قرارات المجلس المركزي الفلسطيني السابقة)، ولكن جرى نقاش أدى لتعديلات في البيان، أبرزها تعديل أدخله الأعضاء، هو "وقف الإجراءات" في غزة، بشأن الرواتب، على أنّ البيان الصادر للإعلام، أسقط البند، وأضيف بَدَلاً منه قرار الرئيس أنّ "الرواتب للموظفين والمستحقات في قطاع غزة سوف يعاد صرفها"، وأنها تأخرت "لأسباب فنية". مثل هذا التغيير، يضعف قيمة ومعنى الاجتماع والنقاش، وإصدار القرارات في المجلس، حتى إن كانت مجمل قرارات المجلس قوية وتعبر عن المطلوب شعبياً.
اتخذ المجلس قراراً مهماً، هو إعادة تشكيل المجلس الوطني مجددا، بالانتخابات، بعدد أعضاء 350 (أي أقل من نصف عدد المجتمعين هذه المرة)، ولكن الانطباع العام، والمؤشرات، أن هذه عملية مؤجلة، حالياً، وأنّه سيكون للمجلس المركزي الدور الأساسي في المرحلة المقبلة.
تراكمت "عادات" في اتخاذ القرار في المجلس الوطني الفلسطيني، منذ عقود، وهو ما عبّر عنه رئيس المجلس، سليم الزعنون، في أثناء الاجتماعات، وبث للجميع تلفزيونياً، من ضمنها مثلاً "عادة" التوافق على أسماء أعضاء اللجنة التنفيذية، والمجلس المركزي، عوضا عن الانتخاب، وفي هذا المجلس تقلص هامش النقاش أكثر، وتعمّقت تلك العادات.
من المهم إجراء نقاشات المجلس المركزي المزمعة قريبا، والهادفة للتصدي للإدارة الأميركية، ومراجعة النظام السياسي الفلسطيني، بطريقة مختلفة، ومن المهم أن يكون هذا آخر مجلس وطني فلسطيني من نوعه (وهو ما أقره المجلس فعلا)، وأن ينتخب أو يتطور المجلس الجديد، في وقت غير بعيد، بعضويته المُقلّصة، وطريقة عمله المختلفة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018