جمال الثورة المرعب

د.أحمد جميل عزم

عندما دخل الجنود الإسرائيليون بيروت العام 1982، بعد ملحمة نضالية هائلة، ظنوا أنهم قضوا على كل شيء، وأنّه آن أوان الاحتفال والانتشاء والاستراحة. خرج لهم لبنانيون ولبنانيات، من الأزقة، ووجهوا الرصاص لهم وهو يشربون القهوة في شارع الحمراء. ولكن فيلم رونا سيليع، الأخير، يكشف رُعباً آخر، خرج من مكانٍ مختلف.
يتضح في الفيلم المعنون "منهوب ومُخبّأ"، كيف بلغت عربدة الجنود مداها، وهم على شواطئ بيروت بملابس السباحة، أو بدون ملابس نهائياً، يشربون الخمر والعصير والماء. ثم كيف ذهبوا، وأحدهم بالكاد في سن التاسعة عشرة، وقد كلفوا بدخول أي مبنى لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأخذ ما فيه. ووصلوا إلى مركز الأبحاث. وجدوا أراشيف، وصورا، ومن الصور، ارتعد الجندي في مشهد غيّر حياته، ومن معه، فقد شاهد صورته، وشاهدوا، صور جنود يعرفونهم، يقفون على حواجز الإذلال في الضفة الغربية وغزة، يعتقلون ويقتلون الفلسطينيين. قال: "اكتشفنا أنهم كانوا يتتبعوننا، وأننا أهداف لهم". ويعترف "لم نتحدث عن ذلك حتى لأنفسنا، لم نذكر الأراشيف التي جمعناها".
كانت الصور على الأغلب من الإعلام، ولكنها توثّق الحدث، انتظاراً ليوم الحساب. ولكن مخرجة الفيلم ذاتها، بدأته من قصّة رعب. فهي كانت تشاهد صور المستوطنين الفرحين في فلسطين، في الثلاثينيات (أما كان بإمكانهم التعايش مع أهل الأرض؟)، وتشاهد صور قرية عاقر، في الرملة، تحديدا، وأهمية هذه القرية لها، أنّه عندما "هرب أو هُجّر" أهلها، أسكن يهود مكانهم، منهم أهلها. وترينا الصور لبداية دخول المستوطنين هناك؛ سعداء، و"طبيعيون"، أم بمريول مطبخ تحمل طفلتها وتحدث جارتها. وتقول سيلع لكن لا بد من الانتباه للخلفية؛ للبيوت المهدمة، لأنقاض "الكينونة" الفلسطينية، التي بني عليها الكيان الجديد. صور الجثث التي يتم إخراجها من الأنقاض، تسير باتجاه معاكس، لحقائب القادمين الجدد، الموضوعة على الأرض استعداداً للسكن مكان أصحاب الجثث.
في الأيام الأخيرة لأم رونا، سألتها كثيراً عن حياتها، ولكنها هربت من سؤالها عن عاقر، وتعترف رونا أنها خافت أن تسألها، فطاردها السؤال، وبالتالي كان هذا الفيلم عن الأراشيف المنهوبة.
غالبية المواد في الفيلم من منهوبات الجيش الإسرائيلي، من لبنان العام 1982، ولكن أيضاً من حرب العام 1948، من جيب القتلى الفلسطينيين، ومن بيوت العائلات الفلسطينية، وغالبيتها العظمى موجودة في أراشيف ممنوعة من العرض.
يبدأ الفيلم بصورة فتيات بمراييل مدرسة نظيفة، يلعبن "طاق طاق طاقية"، وفي خلفية المشهد لعبهن، خيام بيضاء، فيما يشير إلى أنّه على الأغلب عقب حرب 1967. تجمعت الفتيات في دائرة مستديرة تماماً، كما لو رسمها شخصٌ "بالبيكار"؟ هل فعلاً رسمها أحدهم، لكي يكون الفيلم، وتكون الصورة، جميلين؟ هل هو عمل الإعلاميين الثوريين؟
يعتمد الفيلم كثيراً على شهادة السينمائية خديجة حباشنة. من الفيلم صور من وسط عمّان، في العام 1968، ويظهر فيها حتى ماسح الأحذية أنيقاً نظيفاً، يبدو أكثر جاذبية ممن يضع حذاءه أمامه. وتقول خديجة، كيف انضمت للثورة، "ما زلتُ أشاهد أمامي شباباً، رواداً، شجعاناً، مليئين بالحوافز، مثاليين، ثوريين"، يعملون في السينما والتصوير لصالح الثورة الفلسطينية. والصور توثق حياة المخيمات، أطفال يحملون "بقج" الإعانة، ولكن خديجة تقول "شبان ثوريون يرفضون أن يكونوا بلا حضور وبلا وجه". وتقول "ربطُ حياتي بحياتهم، تشدني روح نشاطهم، الحياة الشخصية تختلط بالثورة".
تسأل خديجة، ماذا حصل للأفلام، لأول أرشيف بصري، وضعته مؤسسة السينما الفلسطينية، كيف اختفى هذا الأرشيف، وخرجنا من بيروت بدونه؟ هل قدرنا أن نكون معدومي الأسماء والوجوه؟ وتروي، من عمّان حيث عادت، في شهادة تُتلى بالفيلم، كيف تبدد الأرشيف وقد منع المقاتلون، العام 1982، من أخذ سوى حقيبة وسلاح يدوي.
تحكي عن "ريعان الشباب وتدفق الإبداع"، ولكن ما وجدته مُخرجة الفيلم، جميلٌ إلى حد يبرر الرعب الصهيوني منه. فهناك أفلام ضائعة للرسّام إسماعيل شموط، ولأعماله وزوجته تمام الأكحل، وشريط لفتاة بالغة الجمال، هي زينب شعث، تغني بالإنجليزية مع الجيتار، عن "نداء فلسطين العاجل".
لعل أكثر ما أراد الإسرائيليون تغطيته بنهب الأراشيف، أنه كان هناك شعب جميل، ثم ثورة فيها كاميرا السينمائي، وريشة الشاعر والرسام، وألعاب الأطفال، وأنها كانت "ثورة شعب".

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018